الرئيسية | من نحن | راسلنا    Tuesday, August 21, 2018
 

غاندي… “إنتصار الحقيقة بقوّة الروح والمحبة”

نشر في 2012-05-05 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

ولد “موهنداس كرمشاند غاندي” في 2 تشرين الأول من عام 1869 في ولاية “غوجارات” الهندية وسمي ب”المهاتما” لأنه قاد مئات الملايين على طريق الحرية بقوته الروحية التي أدهشت العالم. هو ينتمي إلى أسرة هندوسية اشتهرت بالصدق والشرف والشجاعة وكان والده قد شغل مناصب وزارية وقد أدى واجبه على أكمل وجه.
حتى السابعة عشرة من عمره عاش غاندي في عزلة عن العالم وكان يتلقى الحنان من أمه التي علمته أمور الدين وكان ضعيف الذاكرة وظهر ذلك جلياً في المدرسة بالإضافة إلى العزلة وقد تزوج في سن السادسة عشرة بحسب التقاليد الهندوسية وكانت زوجته تدعى (كستور بي).


سافر عام 1889 إلى انكلترا لدراسة الحقوق وتعلم فيها الرقص والغناء والموسيقى واطلع خلال آخر أيامه الدراسية على أسفار (ألغيتا) أي الصوفية الهندوسية المترفعة عن الأمور الدنيوية والداعية إلى الزهد والتقشف وقال فيه (هذا الكتاب يهدي إلى الحق) ودرس التوراة وسِيَر المصلحين العالميين.
بعد نيل شهادة الحقوق عاد إلى الهند يفكر في إصلاح شعبه ونقله من الفقر والمرض والجهل إلى الثراء والعافية والعلم والحرية،
لكنه لم يوفق في كسب عمل يسد به رمقه فعاد إلى بلدته (راجكوت) وحتى تلك اللحظة لم يكن قد اهتدى إلى طريق الثورة على مستعمري بلاده بعد وفيما هو حائر في أمره تلقى رسالة من إحدى المؤسسات في جنوب إفريقيا تقول إن لهذه المؤسسة قضية هامة وما تزال أمام المحاكم منذ زمن بعيد ويود المدير العام منه ملاحقة القضية كمحامٍ.
كان غاندي في الرابعة والعشرين من عمره عندما هبط في جنوب افريقيا حيث كان الالاف من العمال الهنود يعانون من الظلم والاضطهاد ويخضعون لقانون التمييز العنصري الذي لم ينجُ منه غاندي وحيث لم يجد فندقاً يقبله لأنه ملوَّن كما أمره المفتش في القطار بمغادرة حافلة الدرجة الأولى على الرغم من دفعه ثمن البطاقة كاملاً كما تعرض لموقف مشابه عندما طلب منه القاضي الإنكليزي أثناء المحاكمة نزع عمامته واصفاً إياه بالآسيوي.وكيفما توجه كان يقابل بالازدراء فقرر أن يطلق الصبر وأن يبادر إلى النضال دفاعاً عن حقوق الفرد وكرامة الإنسان.
عام 1904 اشترى جريدة (الرأي الهندي) وجعلها منبراً لحركته فأيقظت المظلومين من سباتهم العميق، ولم يكتفِ غاندي بإصدار جريدته بل اشترى أرضاً واسعة في “ناتال” وأنشأ فيها مزرعة تعاونية جعلها ملجأً أميناً لكل عامل مضطهد وحيث كان يعيش مع اللاجئين عيشة الزهد والتقشف مع زوجته وأولاده في هذه المزرعة سجن ثلاث مرات.
ولم يتمكن الإنكليز من أدراك مدى قوة حركة غاندي فبادروا إلى قمعها بالقوة حيث تم زج الرجال والنساء وحتى الأطفال في السجون وكانت زوجته (كستوربي) في طليعة المعتقلات .

لما وصلت أخبار الاستبداد أوروبا كانت حملة الصحافة الأوروبية على الجنرال الإنكليزي (سمطس) حاكم جنوب أفريقيا بالغة القسوة أرغم على إلغاء التدابير الظالمة التي أعلن غاندي ثورته السلمية عليها.
ثم انتقل غاندي إلى شبه القارة الهندية ولم يباشر حركته التحررية قبل أن يدرس أحوال الشعب الهندي ويلمس أسباب تخلفه وشقائه وحيث وُضع في السجن بعد أن اتهمه الإقطاعيون الهنود بتحريض الشعب على الثورة فأعلن الفلاحون العصيان المدني فما كان من المدعي العام إلا أن طلب تأجيل المحاكمة تفاديا لاندلاع الفتنة ثم أطلق سراح غاندي ليعود إلى نشاطه مجدداً.
واستطاع المستعمرون افتعال حوادث دامية في بومباي والنيجاب ليجدوا مبررا لتدخلهم بالقوة فبادر غاندي لتهدئة المواطنين ودعاهم للصبر.
في 13 نيسان عام 1919 اجتمع عشرات الالاف من الهنود رجالا ونساء وأطفالاً في مكان يدعى (جاليونا لالا باغ) فهاجمهم الجنرال (داير) الإنكليزي وفتح عليهم النار فقتل منهم ستمئة وجرح الآلاف كما أرسل طائراته لتقصف الجماهير من الجو وساق الاف الرجال إلى السجون. عندئذ أعلن غاندي يومذاك خطة اللاتعاون مع الإنكليز حتى يرضخوا ويعيدوا إلى الهند حقها وتنص على:

1- التخلي عن الألقاب ورتب الشرف.

2- رفض شراء سندات القروض التي تعقدها الحكومة.

3- إضراب المحاكم ورجال القانون عن العمل.

4- فصل الخصومات بالتحكيم الأهلي.

5- رفض المناصب المدنية والعسكرية.

6- الدعوة إلى الاستقلال الاقتصادي للهند.

7- مقاطعة مدارس الحكومة والوظائف على اختلاف مراتبها.

وقد رأى غاندي أن بريطانيا تحتكر شراء القطن الهندي بأبخس ثمن لتعود الهند فتشتريه قماشا بأثمان باهظة فدعا مواطنيه إلى مقاطعة البضائع الإنكليزية لذا حمل المغزل ليكون قدوة لسواه وليحمل الهنود على غزل القطن في أوقات فراغهم وبذلك تتعطل مصانع بريطانيا ويثور المشتغلون فيها على حكامهم.
وانتشرت هذه الفكرة بسرعة مذهلة فراح مئات الالاف من السكان يحرقون الأقمشة الإنكليزية ويعتبرونها رمزاً للعبودية والاستعمار.


عام 1920 عقد المؤتمر الوطني الهندي اجتماعاً قرر فيه المطالبة بالاستقلال والعمل لإحرازه بالطرق الشرعية والسلمية وكان غاندي ينتظر تمادي السلطة في طغيانها ليعلن العصيان المدني وطالب في تلك الأثناء بإعادة الاعتبار للمنبوذين الذين لا يقل عددهم عن الستين مليون نسمة فلقي منهم تجاوباً عظيماً وخصوصاً لما أعلن أمام الجماهير قائلاً :
خير لي أن أقطع إرباً من أن أنكر إخواني من الطبقات المدحورة وإذا قدر لي أن أبعث حياً بعد موتي فأقصى مناي أن أكون من هؤلاء (الأنجاس) لأشاطرهم ما يتلقون من إهانات وأعمل على إنقاذهم.
كما رأى المرأة مظلومة متأخرة فطالب بمساواتها مع الرجل وحثها على الكفاح للحصول على حقوقها كاملة.
وعلى الرغم من استمرار غاندي في دعوته إلى اللاعنف والنضال السلمي فقد نشبت عام 1921 معارك دامية بين الهنود والإنكليز.
كما أن السلطة الاستعمارية كانت تبذل قصارى جهدها للتفريق بين الهندوس والمسلمين وبذر الشعور الطائفي فيما بينهم فرد غاندي عليها في 4 تشرين الأول 1921 بإعلان تضامنه التام مع المسلمين مع أنه هندوسي وذلك على أثر اعتقال الزعيمين المسلمين الأخوين : محمد علي وشوكت علي وحيث أذاع بياناً وقعه خمسون من أعضاء المؤتمر الوطني حظر فيه على الهندوس الخدمة العسكرية والمدنية مع السلطة الإنكليزية وكان المسلمون قد سبقوه بإصدار مثل هذا البيان.

ألقي القبض من جديد على المهاتما غاندي بتهمة التحريض على حكومة صاحب الجلالة بهدف سحق حركة التحرير في الهند حيث حكم عليه بالسجن ثلاثة أعوام ولما دخل السجن اشتدت المقاومة وغمرت الهند نقمة عارمة على الإنكليز وازداد المناضلون إقداماً وتأثر الرأي العام العالمي وبدأت المطالبة في الدول الأوروبية بإرغام بريطانيا على إنصاف المظلومين واحترام حقوق الأمة الهندية.

أمضى المهاتما غاندي عامين في السجن وتم إخراجه منه نتيجة سوء حالته الصحية. وفي عام 1924 في الرابع من شباط وعند خروجه اعتزل المهاتما النشاط السياسي واعتكف مؤقتاً ليستعيد صحته وعند عودته إلى العمل السياسي أعلن المبادى التالية:

1- اتحاد الطوائف هو السبيل الوحيد إلى الاستقلال .

2- المنبوذون مواطنون.

3- لا تعاون مع السلطة الإنكليزية المستعمرة .

4- إتباع اللاعنف قولاً وفعلاً.

5- مكافحة المظالم وإنصاف العمال والفلاحين.

وفي 12 آذار عام 1930 قرر دعوة الشعب إلى مسيرة الملح والتي استغرقت أربعة وعشرين يوماً وكانت تهدف إلى تحدي احتكار الحكومة الإنكليزية لاستخراج الملح والذي كان الهنود يستهلكونه بكميات كبيرة.
وبعد النصر الذي حققه من خلال هذه المسيرة انصرف غاندي إلى معالجة مشاكل المنبوذين ففي سنة 1932 وضعت السلطة البريطانية مشروع قانون يقضي بانتخاب المنبوذين نوابهم على حدة وفي معزل عن الشعب الهندي فعارض المهاتما هذا المشروع معلناً أن المنبوذين مواطنون هنود ولا بد من تغيير نظرة مواطنيهم إليهم وانتصرت وجهة نظره بعد صيام كاد يودي بحياته. وفي سنة 1934 انسحب من حزب المؤتمر الوطني واعتزل السياسة فاقتصرت زعامته على التوجيه غير المباشر واستمر في توحيد الصفوف وتنمية الإدراك في عقول الجماهير والدعوة للاعتصام حتى استطاعت الهند انتزاع استقلالها في 15 آب 1948 حيث أعلنت بريطانيا الجلاء في حزيران عام 1948 .


توفي غاندي في 30 كانون الثاني من عام 1948 (قبل الاستقلال)بعد إطلاق النار عليه من قبل أحد المتطرفين الهندوس الذين اعتبروا غاندي متساهلاً مع المسلمين أكثر مما تسمح به مصلحة الهند كما كان على اتصال بالإنكليز ليخمد بذلك شعلة النضال التي أعادت الأمل للملايين بالحياة الحرة.

 

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply