الرئيسية | من نحن | راسلنا    Monday, January 22, 2018
 

مواسم “جبنة، مربى الورد، خيارة” بقلم منى تاجو

نشر في 2012-05-11 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

في شهر أيار يخرج الأولاد للعب في الحي و هم يحملون بإحدى أيديهم لفافة خبز تحوي الجبن المشلل و مربى الورد الطازجين و في اليد الثانية “خيارة” تلك الوجبة على غرابة ما تجمع شهية.
الجبن هو من النوع “المشلل” المحضر في المنزل، عندما كنت طفلة عشت عملية التحضير و لحظت تفاصيلها التي أسعدتني، الآن أتمنى أن تكرر و لو لمرة واحدة و لكن هيهات أين تلك النسوة البارعات والقادرات على أداء الكثير المهارات، لهذه العملية طقوس يجب أن تتبع و هي تقرب من الاحتفالية أكثر من أن تكون ورشة عمل.
أدعوكم اليوم إلى رحلة نزور فيها بيتاً تقوم نساؤه بعملية “تشليل” الجبن. عندما يقرر الإتيان “بالمونة” يحدد يوم العمل بالاتفاق مع من بائع “الجبن” و هو شخص معتمد لهذه العملية التي تتكرر مرة واحدة في العام. قبل يوم من الموعد تقوم ربة المنزل بإخبار قريباتها بأن جبن المؤنة سوف يجلب في الغد، في اليوم التالي تبدأ النساء بالتقاطر على البيت و كل منهن تتأبط صرة تحتوي ثياب “العرى” وبعد دخول الواحدة منهن إلى المنزل تضع يدها على فمها مطلقة زغرودة تعلن فيها فرحها فالدنيا بخير و أهل البيت بيسر من الحياة حتى استطاعوا جلب “المؤنة”، يكتمل العقد و تدور فناجين القهوة، و تتجاذب النساء أطرف الحديث بتقسيم العمل، تقوم ربة المنزل بتقطيع قالب جبن للتأكد من أنها ستكون مختمرة – يستدل على هذا من ثقوب تظهر في داخل القالب و ممكن أن تُجرى تجربة للتأكد بأنها صالحة للتحضير- و إن كانت في الدرجة المطلوبة تقوم هذه السيدة بالإشراف على بنات العائلة و هن يقمن بعملية التقطيع معها و بإشرافها، إن لم تكن مختمرة فتنهال النصائح من الحاضرات و بحالات قليلة تتم الاستعانة ببائع الجبن، و إن كانت مختمرة جداً يتم غمس قوالب الجبن بالماء البارد الواحد تلو الآخر بغرض النظافة و علاج حالة التخمر الفائقة، تتم عملية التنظيف على كل الأحوال بالماء العادي، متى تصبح الكمية المقطعة كافية كما ترى خبيرة العمل يوقد”بابور” الكيروسين و تجلس من اُختيرت لهذه العملية و هي الأكثر براعة عنده حيث يوضع الماء في وعاء طبخ محدب القعر يدعي”حوق” و يرفع الوعاء على النار ليقترب من الغليان، عندها يضاف الجبن التي تحدد كميته بخبرتها، يعد إلى جانبها مصفاة كبيرة و يوضع تحتها “طنجرة” كبيرة لتلقي الماء المحمل بالسمن الذي يخرج من الجبن، عند الوصول إلى الحد المناسب من انصهار الجبن تقوم السيدة بسكب المزيج في المصفاة و تطلق الزغاريد، ثم تبدأ بالضغط عل المزيج بداية بأداة التحريك” الكفكير” بعدها تضغط براحتيها و تقوم من تجلس إلى جانبها بإضافة مزيج من المحلب الناعم الذي تم تنعيمه بالهاون النحاسي و حبة البركة، اليوم ممكن أن يشاهد هذا الهاون في غرف استقبال الضيوف كقطعة تراثية، تقطع هذه العجينة- هي ليست عجينة و لكني لم أجد وصفاً لها أقرب من هذا التشبيه-. تأخذ كل سيدة قطعة من هذه الخلطة و تجري ثقباً في وسطها، تدخل في هذا الثقب إبهاميها و تباعد بينهما حتى تصبح القطعة بشكل شلة الخيوط فتطوي هذه الحلقة لتضاعفها و تعيد الشد و الطي حتى تتشكل الشلة و يبرد الجبن فتقوم بعملية فتل متعاكس لهذه الشلة و تغلقها على نفسها،ثم ترميها بطشت محضر مملوء بالماء البارد، تبقى شلل الجبن في هذا الماء حتى انتهاء الكمية، بعدها تقوم ربة المنزل بتحضير مزيج ملحي و تختبر صلاحيته للحفظ بإضافة بيضة إلى المزيج و تستمر بإذابة الملح حتى تطفو البيضة و يدعى هذا السائل”عيار بيضة” إن لم يحتوي هذا الكم من الملح فسوف يفسد الجبن، تحضر الأوعية الزجاجية لحفظ الجبن في محلول الملح في -” قطرميزات”- كانت تملك شكلاً مميزا لكل حجم، تعبأ الشلل في” القطرميزات” ثم يسكب الماء و الملح، مهما بلغ تعب ربة المنزل فعليها أن تقوم بهذه العملية في اليوم نفسه، تنظف الأوعية من الخارج مما يكون قد أصابها من الماء و الملح، عندها يأتي دور الأولاد الصبيان اليافعين و تنقل هذه الأوعية لوضعها في القبو لتحفظ فيه إلى الشتاء.
أما السمن المستخرج من الجبن فيغلى استعداداً لصنع أقراص العجوة لذيذة الطعم و المزينة بنقوش و يصنع من العجينة ذاتها ما يدعى بكعك “الجبنة”. إنها مناسبة أخرى لاحتفالية أخرى تعود النساء لتجتمع و تعود الزغاريد لتعلو أثناء العمل، لمَ لا نفرح فالخير كثير و رب المنزل لا يبخل على عائلته، و ربة المنزل “ست بيت درجة أولى”، تحضر ربة المنزل العجينة و تمزج المواد وتتركها طوال الليل مغطاة كي نحصل على حلوى لذيذة، في الصباح تأتي الجارة، الأخت، و القريبات إحداهن تحضّر التمر بإزالة النوى منه ومن ثم يضاف السمن و تطحن و الأخرى تبدأ بالعجن، و تقوم إحداهن بتحضير القوالب التي ستسم أقراص العجوة بالنقوش، و الصبايا يقمن بإضافة السمن إلى الصواني استعداداً لإدخالها إلى الفرن، يعلو صوت من تقوم بالعجن و تقول:”العجينة الجاهزة” بعد هذا القول تتجمع النسوة و تبدأ التي عجنت بتقطيع العجين إلى قطع كل منها سيشكل قرصاً و من حضرت التمر تصنع منه كرات و ترققها، تفرد قطعة العجين في القالب و من ثم يوضع قرص التمر –يسمى بالعامية”عجوة”- و يغطى بقطعة عجين أخرى و يضغط بشدة فوقه، ثم يقلب و يدق و تتلقى من تعمل القرص بيدها الأخرى و تصف الأقراص في صينية، عندما تمتلئ الصينية تدخل إلى الفرن، و تشوى، يطول العمل لساعات موشاة بأحاديث جميلة، تقطعها بين حين و آخر زغرودة أو ضحكة، أو غناء جماعي. يا لله كم لذيذة تلك الأقراص المشغولة بأيد محبة و قلوب نقية، كم يسعد الأم أن ترى أطفالها و أيديهم البضة الممتدة إلى الطبق الممتلئ بها يأكلون يمرحون ضحكاتهم تعلو مزينة وجناتهم المحمرة يتدفق فيها الصحة.
تظاهرة رائعة تظاهرة “مونة الجبنة “، جلسة نسائية مميزة فرحة، فيها شكر لله على نعمته، فيها مرح الحياة البسيطة، و الفرحة بالرزق الذي أسبغه الله على هذا البيت. اليوم نشتريها من السوق جاهزة، نضعها في الثلاجة دون فرح، دون صخب، دون تواصل مع الجارات و القريبات، بل نفتخر فنحن مدللات. و الشيء نفسه ممكن أن يقال عن أقراص”العجوة”.
بقي لدينا أن نتحدث عن صنع مربى الورد، يشتهر أهل حلب بهذه النوعية من المربى، في هذه الفترة من السنة ينتشر عبق الورد و النعناع في الأسواق التي تبيع الخضار و الفواكه، فرائحة النعناع الممزوجة برائحة الورد تصل إلى أنوفنا لتقول الدنيا مازالت بخير، يأتي الورد إلى المنزل، فتقوم السيدات بقطف أوراقه عدا الورقات الخضراء، يمارس الأطفال حينها مرحهم بالتسلي بمتابعة الحشرات التي يدعونها “صندوق السعادة أو صندوق النبي” هي تلك الخنفساء الحمراء و المرقشة بالأسود و التي تفتح أجنحتها لتطير، هنا تسمع ضحكات الصغار و هم يحاولون مساعدتها عندما تنقلب عل ظهرها لتعود إلى الوضع الصحيح. و حسب كمية الورد المراد تحضيرها توضع الأوراق في مصفاة أو غربال للتخلص من الأجزاء غير المرغوب بها، تقوم السيدة بتجهيز عصير الليمون، -يمكن الاستعاضة عنه “بحمض التشنتريك” بالحقيقة هو ملح الليمون- و السكر.
تتفنن السيدات بطرق التحضير فمنهم من تعتمد على الحرارة لإنضاج أوراق الورد، و منهم من تطحنها بآلة طحن البرغل، و هناك من تضيف إليها قليل من السكر و الحمض و تقوم بفركه بين أصابعها، الحقيقة كلهن يصلن إلى نفس النتيجة فورقة الورد الرهيفة لا تحتاج إلى كل هذا العنف في تحضيرها، يرفع على النار يضاف ما تبقى من عصير الليمون ثم السكر ويحرك حتى ذوبان السكر و من ثم الغليان، ثم يغمس وعاء التحضير بالماء للتبريد.
المعركة ستكون حامية بين ربات البيوت من منهن حصلت على مربى بلون أجمل، و إن حلت المصيبة و لم يكن المربى باللون المطلب تقوم السيدة بإحضار مادة لصبغ المربى و الحصول على اللون المطلوب و لا تدع “ست فلانة و ست علانة” تتباهى بلون المربى الذي حضرته و تشعر هي بالخزي فهي ليست ربة المنزل البارعة و الدليل مربى الورد.
أنا كصيدلانية و عندما بدأت بتحضير هذا المربى أدركت أن عصير الليمون هو مسؤول عن اللون الزاهي للمربى و كمية عصير الليمون التي يعطيها كيلو غرام من الليمون لا تكون ثابتة بل تكون متغيرة بين ليمونة و أخرى كما أن شدة الحموضة تختلف لذا ألجأ إلى ملح الليمون و أتباهى بلون مربى الورد الذي أحضره، و لكني مؤخراً أعلمتهم بالسر.
هناك مربى يشبه مربى الورد يحضر في طرابلس لبنان و بدل الورد تستعمل أوراق زهر النارنج و يصبغ باللون ذاته الذي يتمتع به مربى الورد هو أيضاً لذيذ.
كم تتعب الأمهات حتى يأكل الأطفال “لفافة خبز مع جبن مشلل و مربى الورد و خيارة”.

One Response to “مواسم “جبنة، مربى الورد، خيارة” بقلم منى تاجو”

  1. سلمت يداك دكتورة منى عشت ذكريات طفولتي في بيت جدي حيث كانت جدتي أسماء و بناتها يقومون بهذا العمل الرائع الجميل و المتعب بعض الشئ و الله استمتعت كثيرا بقراءة هذا الكلام الجميل العذب الذي هو جزء جميل من ماض بسيط. أشكر السادة المعنيين في هذا الموقع على النشر و على الصور الجميلة عن حلب الشهباء. أرجو قراءة المزيد من كتاباتك دكتورة منى
    صديق العائلة م.

    رد

Leave a Reply