الرئيسية | من نحن | راسلنا    Thursday, December 14, 2017
حفل غنائي

قصتي مع “المعلم” غسان تويني بقلم غسان حجار

نشر في 2012-06-08 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

 كانت تانت روز قريبتي، وأنا بعد صغيراً، تناديني غسان تويني، فأصحح لها “تانت أنا اسمي غسان حجار”. لم أكن أعرف، وأنا الطفل، من هو غسان تويني. لكن الاسم علق في ذهني. وعندما عرفت هوية الرجل، حلمت بالوصول اليه. التعرف اليه هي المرحلة الأولى، أما بلوغ “النهار” نهاره فكان حلماً لا يرقى اليه شك، لكنه كان المرحلة الثانية. وكانت تانت روز، جارة سامية الشامي في رأس بيروت، أصابتها عدوى غسان تويني من القراءة، وأيضاً من أثر الشامي مديرة مكتبه في كل محيطها.
مرة وأنا بعد طالباً، التقيت الأستاذ غسان، في حفل اجتماعي، فسارعت لالتقاط صورة لي معه. شعرت بأنني تقدمت خطوة باتجاه الهدف. صورة واحدة تجمعنا غسان تويني وأنا. كم كنت مسروراً.
بعد حين أرسلتني الجامعة متدرباً الى “النهار”. انه القدر الذي يؤمن به غسان تويني، ولا أجد له تفسيراً في فكري. أنا في “النهار”. نعم. سألتقي غسان تويني، وسأتعرّف الى جبران أيضاً.
اللقاء الأول كان عند مدخل المصعد، فتح الباب ودعاني الى الدخول. رجوته ان يتقدم الخطى. فقال “أبداً، تفضلوا. من تقصدون هنا؟”. أجبته “أنا متدرب في التربية والمدنيات”. ولما كنا قد بلغنا الطبقة الثانية حيث من المفترض ان أنزل الى مكان تدربي، سألني ان أقصد مكتبه حاملاً معي أفكاراً جديدة خلاقة. غمرتني الغبطة، وصرت أدوّن فكرة، بل أفكاراً، وأتراجع عنها، لأنها ستبدو “بايخة” أمام خبرة غسان تويني الطويلة.
ولما فاتحت الزملاء بالأمر سخروا مني. وقال أحدهم “هل صدّقت انك ستلتقيه أكثر من المصعد؟ لا وقت لديه لك. لقد أعطاك دفعاً معنوياً وكفى”. وأردف “ثم عليك ان تكلم سامية الشامي للمرور الى الأستاذ، وما أدراك ما سامية الشامي لتعبر من عندها؟”.
في اليوم التالي حضرت باكراً، حتى لا يتنبه أحد الى فشلي المحتمل مع سامية الشامي. اتصلت بها، وأسمعتها طلبي فأجابت على الفور “لديه موعد يعد ربع ساعة. إصعد فوراً” (الى الطبقة التاسعة).
وصلت الى “مكتب التحقيقات الفيديرالي” حيث أشبعتني سامية الشامي أسئلة عما أريد، وعن ولادتي، وهويتي، وأهلي وفصلي، وعائلتي، حتى وصلت الى عمتي وعائلتها، والتانت روز. “إذاً أنت من مشغرة؟ أَلَم يحدثك آل أبو عراج عني؟ ألا تعلم عمتك انك تتدرب في “النهار”؟ ولماذا لم يتصل بي أحد منهم؟”.
تفاءلت بالخير، وسريعاً فتح الباب، وأدخلتني سامية الشامي الى حضرة المعلم. أخذ يحادثني كصديقين، ثم اقترح عليّ ان تنتدبني “النهار” في رحلة للمشاركة في إطلاق مشروع لـ”أغفند” وهو البرنامج الذي أسسه الأمير طلال بن عبد العزيز. وقال “انه امتحان لي، يحدد مستقبلي المهني”.
وذهبت لأجد نفسي بين أصحاب صحف ورؤساء تحرير يصرون على المشاركة بأنفسهم سعياً الى مصالح متوقعة، أو خوفاً من ان “يفتح” الصحافي المنتدب “على حسابه”. فكرت ملياً بالأمر، هل هو استخفاف بالمناسبة (لا بالشخص بالتأكيد لأنه شرح لي انه صديق حميم)؟ أم تصرّف الواثق بالنفس وبالغير، والذي يعطي الناس فرصاً ويفتح لهم الآفاق الواسعة؟ في الواقع اكتشفت لاحقاً انها الثقة، والامتلاء.
لاحقاً لم أعد التقيه كثيراً، بل كلما دعت الحاجة. كان يدعونا من وقت الى آخر يناقشنا في مقالته صباح كل اثنين. كان يصغي الى الآخرين ويتأثر بآرائهم . صحيح انه كان ممتلئاً معرفة وعلماً وحكمة، لكنه أيضاً كان ممتلئاً تواضعاً وانسانية وعواطف غالباً ما كان يختبىء وراءها.
عادت العلاقة وتوثقت معه بعد استشهاد جبران، صرنا أقرب اليه، شعرنا بمزيد الحاجة اليه، صرنا نناقش معه، نايلة وأنا، أموراً كثيرة، وخططاً ومشاريع. كان همه الأوحد ان تستمر “النهار” فلا يقوى المجرمون الذين قتلوا جبران ليسكتوا “النهار”. هو من كتب المانشيت الشهيرة “جبران لم يمت و”النهار” مستمرة”.
قبل مدة من تسلمي مهماتي في إدارة التحرير، قدمنا له مشاريع عدة، وكنا نشبعها بحثاً ومناقشة. وكم كان يستفزني عندما يقول لي بعد قراءته مشروعاً سهرت ليلتين أو ثلاث لإعداده “وما الجديد فيه؟ لقد فكرنا به في أعوام الستينات والسبعينات!”. كنت أغتاظ، وكانت نايلة تحرضني على إجراء تعديلات فيه.
هكذا نمت علاقة حميمة، تعرفت من خلالها الى غسان تويني من قرب. يومها صدّقت قول لور غريب له دوماً “يا معلمي”. تعلمت منه الكثير. ومن كلامه ومن صمته، من جديته ومن سخريته، من حرصه ومن كرمه…
عام 2009، توافقنا على كل الأمور الضرورية للقيام بإصلاح إداري في “النهار”. تجرأت وقلت له “لي طلب صغير، وهو ألا تكسر لي قراراً اتخذه. وعندما أخطىء ترسل في طلبي وتخبرني بوجهة نظرك، وتترك لي مسار التراجع على طريقتي”. ضحك وقال لي: “وهل تقول لي ألا أتدخل في شيء مثلاً؟”، ارتبكت وحاولت تصحيح الموقف بشرح مبهم عما أطلب.
نظر إليّ وقال: “إذهب واكتب قرار تعيينك مديراً للتحرير بالصلاحيات التي تريد وأنا أوقع. أمام نايلة وأمامك فرصة تختبران فيها الإدارة اليوم في حياتي، وعليكما الإفادة منها. ولكن عندما تبلغان في قراراتكما الكبار في العمر ممن عايشتهم سنين طويلة فأخبراني، بل استشيراني. فمع هؤلاء أنا أقرر”.
تأكدت للمرة الثانية، بل العاشرة، بل المرة المئة، ان الرجل زاهد في المناصب والمراكز. شبع منها بل من الحياة بكل زهوها. تأكدت للمرة الألف كم يثق هذا الرجل بنفسه وبالآخرين وكم يعطي الفرص الحقيقية للمحيطين به.
أيها الأستاذ، يا معلمي، عهداً، لك، ولجبران، ان نبقي “النهار” نهاراً، مهما ازداد سواد الليل من حولنا، ومهما تضاعف عدد الحاسدين والحاقدين، والمتربصين بنا، ومهما تكاثرت التحديات. كثيرون ممن عرفتهم، ومنحتهم ثقة كبيرة، وقعوا في أول الطريق، أو سقطوا في مراحل منها، لكننا نعدك بأننا سنكمل المشوار، والمسيرة، “بدنا نكمّل بلّي بقيو”، وهم كثيرون من حولنا، ومعهم سنمضي الى “النهار مستمرة”.

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply