الرئيسية | من نحن | راسلنا    Sunday, September 23, 2018
 

الشَّاعة… ويلعن السَّاعة!!! – حبيب يونس

نشر في 2012-07-30 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

بين مارشال ماكلوهان، الذي سُمِّي “نبيَّ الإعلام”، وجوزف غوبلز مؤسِّس الدعاية السياسية، أو البروباغندا، نقاط التقاء وجوامع مشتركة كثيرة، من دون أن يدريا ذلك. يكفي، لو يستطيع الزمان أن يجمعهما اليوم، أن يتبصَّرا في حال الإعلام، حتى يخلصا إلى نتيجة تتوافق وما تقدَّم.
فماكلوهان الكندي الذي طبع النصف الثاني من القرن العشرين بنظريات إعلامية أحدثت جدلًا كبيرًا، يرى أن أجهزة الاتصال الإلكترونية، ولاسيما منها التلفزيون، تسيطر على حياة الشعوب وتؤثر في أفكارها وفي مؤسساتها.
ويستنتج صاحب “العروس الميكانيكية” أن كل حقبة زمنية كبرى في التاريخ تستمد شخصيتها المميزة من الوسيلة الإعلامية المتاحة على نطاق واسع. فإذا كانت السنوات الممتدة من القرن الثامن عشر إلى أواخر القرن العشرين شكَّلت ما سَمَّاه “عصر الطباعة”، على أن الطباعة هي الوسيلة الرئيسة لنقل المعرفة بين الناس، فشجعت على الفردية والنزعات القومية والديمقراطية والنزوع إلى الخصوصية في العمل والتمييز بين العمل ووقت الفراغ، فإن عصرنا اليوم هو “عصر الإلكترونيات” التي تقود المجتمع وقد أحدثت ثورة في مختلف نواحي الحياة فيه، خصوصًا السياسية منها، وقضت بالتالي على الفردية والقومية، وأسهمت في نمو مجتمع عالمي جديد.
أما جوزيف غوبلز وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر وألمانيا النازية، وأحد أبرز وزرائه، لما تمتع به من قدرات خطابية، فأدى دورًا مهمًّا في الترويج للفكر النازي لدى الشعب الألماني بطريقة ذكية، مستثمرًا وسائل الإعلام في الحرب العالمية الثانية، ومطلقًا مبدأ اشتهر به: “إكذب إكذب إكذب، حتى يصدقك الناس”. وعلى رغم مبدإه اللاأخلاقي هذا، أسس مدرسة إعلامية مستقلة في ذاتها، لجأ إليها آخرون من بعده، من مثل الأميركيين.
أين يلتقي الرجلان؟ وعلى أي فكرة، على وجه التحديد؟ وفي أيامنا هذه خصوصًا؟
حين يسوِّق غوبلز للكذب، تحضر إلى الأذهان الإشاعات.
أما التسويق للإشاعة، فيتم بكل وسائل الإعلام، ولاسيما منها أبرزها، أي التلفزيون، وفق مقولة ماكلوهان “الرسالة هي الوسيلة”، أي أن الرسالة (الخبر أو الفكرة أو الحدث)، تكتسب أهميتها من خلال أهمية الوسيلة الإعلامية التي تبثها.
وإذا نظرنا اليوم إلى واقعنا الإعلامي العام القائم على حجب الحقيقة، إلَّا في ما ندر، وعلى التسويق والترويج والدعاية وغسل الأدمغة والخداع، في غرف سوداء تقودها عقول سوداء، لأهداف سياسية وتجارية فحسب، نجد أن الإشاعة صارت خبرًا، وأن الحقيقة في خبر كان… لـ”يكتمل” نقل “نمو المجتمع العالمي الجديد”، بالزعرور.
لا بل نرى وسائل إعلام هي أدوات حرب، تروِّج للحرب وتغذِّيها وتتفنَّن في “فبركة” الأحداث وتسويقها وإخراجها على أنها حقيقة، أكثر منها منابر لهذه الحقيقة، أو على الأقل لعرض وجهات نظر الناس، والوقوف على حقيقة الرأي العام واتجاهاته. وقل أكثر، فهذه الوسائل الحربية، لا الإعلامية، تتمتع بدعم مالي لا محدود سواء من رأسماليين أو من أنظمة، وتمتلك قدرات وإمكانات تخولها منافسة سينما التشويق الهوليوودية، وتصل أحيانًا إلى حد أنها تبزُّ أغاتا كريستي في مخيلتها القصصية، وألفرد هيتشكوك في حبس الأنفاس، وإن بتنا ننظر إليها، يا لسخرية القدر، بعين مِلْ بروكس السوداء.
“الإشاعة”، يا كرام، لا “الشائعة”. إذ إنني لم أقع في قواميس العرب جميعًا على كلمة “شائعة” تفيد معنى الكذبة الغوبلزية، بل كمؤنث للمذكَّر شائع، ليس إلَّا. أما الكلمة التي تعني “الأخبار المنتشرة”، فهي “الشَّاعة”. لكن هذه الأخبار لا تنتشر من تلقاء نفسها، بل ثمة من ينشرها أي أنه يشيعها، وينطبق عليها فعل “أنمى”، أي إذاعة خبر على وجه النَّميمة. ويقول “لسان العرب”، قاموسهم الأفضل: “نَمَّيتُه، أي بَلَّغتُه على جهة النميمة والإِشاعة”.
وعلى سبيل المثال، لا الحصر. في “الشَّاعة” أن ثمة تحركات مطلبية سيشهدها لبنان، طوال هذا الأسبوع. وفي “الإشاعة” أن “خيمة الكراكوز” في صيدا معزولة في تحركها، ولا يؤيدها أحد. وفي “الحقيقة” الحقيقة، أن مؤيدي تلك الخيمة “من تحت لتحت” كثر، وقد تكون الحكومة في طليعتهم، لعجزها حتى الساعة عن رفعها من مكانها، وفتح الطريق أمام الناس ولقمة عيشهم.
وفي “الشَّاعة” أيضًا أن شمال لبنان، خصوصًا عكار وطرابلس، يشهد اضطرابات متعلقة، في شكل أو آخر، بالأزمة السورية المستمرة. وفي “الإشاعة” أن الجيش اللبناني لا يقوم بدوره هناك كما يجب، وأن “قائده فاشل”، وأن ضباطه يأتمرون بجهات سياسية وحزبية لا بأوامر قيادته، وأنه “يعتدي على المواطنين ويرتكب مذابح”… على ما صرَّح نائب هو “إشاعة” أو “نميمة” في حد ذاته، جاءته “الحقيقة” الحقيقة من بيان قيادة الجيش التي ردت عليه وعلى تماديه هو وأمثاله على المؤسسة العسكرية. وحبذا لو تسرع القيادة في ترجمة أحد بنود بيانها، فتدَّعي على النائب المذكور، الذي لا تتشرف هذه السطور بذكر اسمه، أمام القضاء المختص… فتقطع بذلك دابر “إشاعة” واحدة على الأقل، من مسلسل الإشاعات الطويل.
وفي “الشَّاعة” أيضًا وأيضًا، أن ثمة قانون انتخاب يُعدُّ كي تجُرى على أساسه الانتخابات النيابية عام 2013. وفي “الإشاعة” أن ثمة تطورات خطرة سيشهدها لبنان قد تمنع إجراء الانتخابات، أو أن كثيرين من الأفرقاء السياسيين والكتل النيابية، المتجذرة فيهم الطائفية والمذهبية حتى العظم والنخاعات الشوكيَّة، باتوا علمانيين، ويريدون تمثيلًا شعبيًّا وفقًا لقانون مدني خارج عن القيد الطائفي.
أما “الحقيقة” الحقيقة التي وحدها تدحض “الإشاعة” و”الشَّاعة”، فأصوات الناس ليس في صناديق الاقتراع فحسب، ليريحونا، بخيارهم الانتخابي، من معظم وجوه هذه الطبقة السياسية التي جعلتنا نترحَّم على غوبلز، ونتأمَّل مليًّا في نظريات ماكلوهان، بل أصواتهم بجوق واحد، متناغمةً مدويَّة واضحة مرتفعة جريئة:
بوجود طبقة سياسيَّة كهذه… يلعن السَّاعة!!!.
أيُّها الناس، هلَّا فعلتم؟ ماذا تنتظرون؟
(عن الموقع الرسمي لحزب الكتائب)

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply