الرئيسية | من نحن | راسلنا    Sunday, October 21, 2018
 

لبنان الرسمي والشعبي ودع البطريرك هزيم سليمان وضع وساما على نعشه: ستبقى ذكراك راسخة في القلوب والعقول

نشر في 2012-12-10 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

ودع لبنان والكنيسة الارثوذكسية، اليوم، البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم، فأقيمت صلاة لراحة نفسه، الثانية عشرة ظهر اليوم في كاتدرائية القديس نيقولاوس في الاشرفية، بمشاركة رسمية وشعبية، ومنحه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وسام الارز الوطني من رتبة الوشاح الاكبر.

حضر الصلاة، الى سليمان، رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ممثل رئيس مجلس النواب نبيه بري النائب ميشال موسى، الكاردينال بول بوبار موفدا من البابا بنديكتوس السادس عشر، الرئيس أمين الجميل، ممثل الرئيس اميل لحود الوزير السابق يعقوب الصراف، الرئيس حسين الحسيني، النائبة بهية الحريري ممثلة الرئيس سعد الحريري، البطريرك المسكوني بارثولوماوس، بطاركة الشرق الكاثوليك: البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك انطاكيا والاسكندرية وأورشليم للروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، الكاثوليكوس الأرمن الاورثوذكس آرام الاول، بطريرك كيليكيا للأرمن الكاثوليك البطريرك نرسيس بيدروس التاسع عشر، الانبا بنيامين ميخائيل ممثلا الكنيسة القبطية المصرية، المطران يوانس ممثلا رئيس اساقفة اثينا، المطران جورج صليبا، الاب مخول فرحة ممثلا طائفة اللاتين، عضو الهيئة التنفيذية في المجلس الاسلامي العلوي المهندس جلال اسعد ممثلا رئيس المجلس الشيخ اسد عاصي، نائب رئيس مجلس الوزراء سمير مقبل، الوزراء: محمد الصفدي، نقولا صحناوي، فايز غصن، مروان شربل، حسن خليل، غابي ليون، نقولا نحاس وجبران باسيل، النواب: نضال طعمة، رياض رحال، روبير فاضل، عاطف مجدلاني، غسان مخيبر، جان اوغاسبيان، فؤاد السعد، تمام سلام، ميشال فرعون، اميل رحمة، ايلي عون، جوزف معلوف، طوني ابو خاطر، جورج عدوان، خالد زهرمان ونقولا غصن، نائب وزير خارجية اليونان قسطنطينوس تسيار يرافقه مدير الشؤون الدينية في الخارجية السفير شارليموس متاسيس، النائب السابق لرئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي، النائب السابق لرئيس مجلس الوزراء عصام ابو جمرا، الوزراء السابقون: ابراهيم نجار، طارق متري، منى عفيش، طوني كرم ونايلة معوض، النواب السابقون: بشارة مرهج، بيار دكاش، مروان ابو فاضل، ميشال معلولي وميشال ساسين.

كما حضر سفراء كل من: روسيا، قبرص، اليونان، فلسطين، سوريا، رومانيا، الفاتيكان والقائم بالاعمال الفرنسي جيروم غوشار على رأس وفد ضم المستشار فرانسوا ابي صعب والمستشار جان كريستوف ارجيه.

كذلك حضر الصلاة منى الهراوي، نقيب الصحافة محمد البعلبكي، رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي عصام سليمان، رئيس مجلس الشورى القاضي شكري صادر، نقيب الاطباء شرف ابو شرف، المدير العام للمهجرين فادي عرموني، المدير العام للتبغ والتنباك مازن عبود، الرئيس السابق لمرفأ طرابلس انطوان حبيب، امين سر “حركة التجدد الديمقراطي” الدكتور انطوان سعد وشخصيات دينية وممثلو رؤساء الكنائس الارثوذوكسية في العالم ووفود رسمية وشعبية.

ترأس الصلاة القائمقام البطريرك المطران اسبر سابا، عاونه المطارنة الأرثوذكس اعضاء المجمع المقدس وممثلو مختلف الكنائس الأرثوذكسية.

خضر

ورثا المتروبوليت جورج خضر الفقيد بكلمة جاء فيها: “فيما كانت كنيسة الارض تأخذ منك جهدا كثيرا، استدعاك ربك الى عرس الحمل والى كنيسة الابرار لتذوق بهاءهم وفرحا عندهم يدوم الى أبد الآباد. تخاطبنا من فوق لتقول لنا اننا ان لم ننشد الى الصالحات الباقيات نكون رمينا أنفسنا في العدم. كان انتقالك تربية لنا لنعاشر السماويين عل شيئا من غبطتهم ينزل علينا.

تريدنا ان نسهر على الكلمة التي استودعناها لئلا يغرينا التفه. واذا نظرنا اليك نعرف انك ترفع عيوننا الى ربك. قد يكون صعبا التمرن على الفراق ولكنك روضتنا على ان الذين هم للمسيح ليس بينهم هوة. انت سبقتنا الى الملكوت الآتي لتتربع مع القديسين ونتوق اليك واليهم فنخلد بسكنى الروح القدس فينا.

بعد ان تسلحت به تدعونا الى ان نشتهي وجه الآب وحده ولكونك ماثلا أمامه تتقوى مرافقتنا اياك ونصبح بصوتك في موئل الطاهرين.

كنت تعود في معاشرتهم دائما الى بساطة المسيح التي تلغي كل فارق بين الاذكياء. ما الذكاء الحقيقي الا التماع العقل الالهي فينا. لم تغرك المنظورات ومعقولاتها لان الذكر الالهي اقترب من سكناك غير انك من تراب مثلنا وكنت تعرف ذلك. لكنك كنت تؤمن ايضا اننا مدعوون الى تجاوز التراب لنتسربل النور حسب قول الكتاب العزيز: “يا جميع الذين بالمسيح اعتمدتم المسيح لبستم”. ليس سهلا على احد ان يسكن كيانه كله في النور الالهي. مع ذلك كنت تعرف ان عقول البشر وانت اليها في ثقافتك ليست بشيء عند نزول الكلمة الالهية.

هذا على صعيد الفكر. غير انك فهمت انه كتب لك ان تتخطى العقل كله بانسكاب كلمة الله عليك لتكون فوق كل الكلمات. وهذا لا يحصل الا لمن تسربل فكر المسيح.

اقول كل هذا مستفيضا لانك تفلسفت كثيرا قبل ان تنطق بالالهيات. ففي التربية التي تلقيت والمعقولات التي نشأت عليها بدأت من البشرة بحيث انها كانت هي معراجك الى الالهيات والكنيسة الانطاكية بنوع فريد كانت في عصور جمالها تركز نفسها دائما على الجهد البشري في نسكها وسعيها في الكلام عن الله الذي لا يسوغ النطق به الا بعد رياضات الحب.

الكلام عن الحب الالهي الذي هو وحده موضوع اللاهوت لا يأتيك الا اذا اقتحمك الحب كيانيا فتفهم عندئذ العلاقة بين الطاعة لله والكلام عن الله. غير ان اللافت فيك انك لم تفصل بين الذوق الالهي في داخلك وبين التكلم بالشأن الالهي في معاناة العقل البشري التي نشأت عليها.

ولكن العقل اذا استقل يعني انه لم يتغذ بالوحي وانه بقي لصيق الجسد والدنيا وكلنا يعلم ان لباسك الثقافي الاول كان الفلسفة ومتابعوك يعلمون ان هذا العالم والفلسفة منه لا يكفي واننا لا نستطيع ان نحيا ما لم يكن اللاهوت لباسا لنا.

هذا ما كتب عليك او ما كتب فيك حتى بدا للجميع انك رجل القلب ايضا والقلب كان مصدر الصداقة فيك وأحببت بعضا من بشر بقوة المشاعر العظيمة التي جللتك.

وهذا لم يكن فقط من بشرتك ولكن من كيانك المتمسحن عمقه فاستدخلت اصدقاءك قلبك وكنت تحبهم ببساطة. لعل هذه هي الفضيلة التي سيطرت عليك وبها أطللت على الاطفال وخفت على الشيوخ وحسبنا ببركات هذه الإطلالات انك ستبقى بين شيوخنا طويلا. غير ان الرب يستأثر بمن أحبهم كثيرا.

قل للمخلص اننا بتنا لا نتكل الا على إشفاقه على كنيسته. متى تصبح برأفاته العروس المشتهاة، سلم على الذين يحبون ان نلتحق بهم. ان الإله المبارك ينصت الى نجواك الضامة إيانا الى رحمته”.

برثولوماوس

والقى البطريرك برثولوماوس كلمة قال فيها: “ان خدمة الجناز هذه تحمل ايضا علامات الصليب والقيامة، في اوان الوداع الاخير والقبلة الاخوية للبطريرك الراحل تغمرنا مشاعر الحزن الانساني المبرر، فيما نمتلئ في الوقت عينه بالفرح. يحزننا ان نفقد اخا حبيبا جعلنا يتامى بوفاته، هو الذي لعقود قاد بطريركيته القديمة، وقد ترك بوفاته فراغا لا يعوض، خصوصا في هذا الزمن العصيب الذي يمر على شعب سوريا وارض سوريا، وعلى هذا القطيع الارثوذكسي العزيز.

ان شخصية البطريرك اغناطيوس ومحبته الاصيلة لابناء رعيته تلهم كل واحد منا على المستوين الروحي والاخلاقي، ذلك لاننا كلنا رأينا فيه تجسيدا للفضيلة، وفي الوقت عينه لجرأة الارثوذكسية وشجاعتها، مظهرا ان الحياة التي لا توصف في المسيح ليست امرا صعب المنال، وما هي “مشورة تبطل او كلمة لا تقوم” (ش 8:10)، انما هي واقع ملموس، ولهذا كانت لاخينا الكلي القداسة مكانة اولى في قلوب اخوته والشعب ضمن نطاق كنيسته في ما بين الارثوذكسيين وغير الارثوذكسين وعند ابناء الطوائف والديانات الاخرى ايضا وكلهم ابناء الله الكلي القدرة الذي خلق كل الشعوب وكون كل الاشياء”.

في الوقت نفسه نختبر في هذه اللحظة بالذات شعورا عميقا بالفرح الروحي لان كنيسة انطاكية المقدسة وشعبها المؤمن قد ربح سفيرا اخر وشفيعا في السماء امام عرش الرب، لان مختار الله “لم يتغب باطلا” (ش 65:23).

ان اخينا الغالي وشريكنا في الخدمة قد انتقل الى السماء لكي يكمل الاحتفال الذي لا ينقطع بالسر الالهي الذي طالما احبه هنا على الارض، واشترك في ممارسته بوعي كبير، بقدر ما كان يتيحه له وضعه الصحي، اما الان، فان جسده الضعيف لن يعيقه بعد عن اتمام الاحتفال الالهي الابدي، فاذ قد تحرر من ثقل المواتية والفساد، ها هو يشترك في السر مع الرب نفسه في المدينة المباركة حيث “الهيكل هو الاله الرب الكلي القدرة الخروف” (رؤ 21:2:23). وهو الان “في اورشليم السماوية بين الملائكة الذين لا عد لهم” (عب 1:22)، “واقفا امام الملك العظيم ممتلئا من النور السماوي”، كما قال سلفنا على الكرسي القسطنطيني القديس غريغوريوس اللاهوتي في شقيقه سيزاريوس.

لقد كرس البطريرك الراحل ذاته للحياة الليتورجية وللاحتفال بسر الشكر رغم الصعوبات التي كانت تطرحها امامه مسؤولياته البطريركية، وكان هذا التكريس ميزة من ميزات حياة رافقته حتى النهاية، فكانت الليتورجيا حقا عالمه، وكانت تجتذب كل انسان، وعلى كنيسة انطاكية اليوم ان تفتخر بان انسانا بهذا المقام الروحي الرفيع كان يرعى قطيعه. كان فخرا وفرحا لرئاسة الكهنوت، وكانت شهرته وخدمته معروفتين في الارثوذكسية جمعاء. وكان بركة حقة من الله لهذا الجسد المضطرب الذي خدمه البطريرك الراحل بنكران ذاتي تام وتفان كبير، متمسكا على الدوام باحترام مطلق لنظام كنيستنا الارثوذكسية المجمعي. كان هادئا ودائم السهر حاملا الرجاء في نعمة الله ورحمته. بهذا الرجاء واجه البطريرك اغناطيوس التقدم في السن بروح الكرامة المسيحية مسلما نفسه للمسيح الذي احبه منذ الطفولة وخدمه بصورة اخوته كانسان وكراع للكنيسة.

لقد خدم البطريرك الانطاكي الراحل ورعى كنيسة انطاكية المقدسة في حقبة متطلبة جدا، ومع هذا، واجه باستحقاق كل الازمة وكل التحديات، مقدما شهادة عظيمة والتواضع والمحبة والتضحية والشرف والعدالة، واجه كل المشاكل التي اعترضته خصوصا في سنوات حياته الاخيرة في الكنيسة وفي ما بين شعبه المحبوب في لبنان وسوريا، بروح انجيلية وتمايز اخلاقي رفيع. خبر عذاب شعبه وكأنه عذابه هو، وصار تعزية حقة. وقف في وجه الظروف وحافظ على تماسك كنيسته طاهرة امام شعبه وامام كل عضو من اعضاء الجماعة الدولية من ذوي النيات الحسنة، وقد عبر البطريرك الراحل تعبيرا اصيلا عن الحقيقة، حقيقة ربنا والهنا يسوع المسيح، وذلك حين اظهر ان الكنيسة لا تحدها الحدود الاثنية، ولكنها تضم كل الشعوب وكل عمل جاد يؤول الى سيادة السلام والعدل والمحبة والتضامن بين الشعوب تكون فيه الكنيسة مصدرا حقيقيا لتعزية الناس، فالكنيسة هي التي لا تهملنا في احزاننا ولا تخيب رجاءنا وآمالنا، وذلك لان رأسنا هو الرب نفسه الذي احبه البطريرك واتحد به دوما بالصلاة، معلنا بجرأة وفي كل مكان رايه امام الراي العام الكوني، وهو ان “الرجل الفقير الذي يظلم فقراء”، (ام 28:3)، مظهرا بهذا حقيقة الكنيسة. تعب لاجل شعبه، وعاش حياة المؤمن البسيطة بزهد ونسك تام مجاهدا بكامل قوته وعلى نحو عملي لكي يزهد ويحمي ويحل مشاكل الاستمرارية التي تواجه شعبه.

كل من تشرف منا بمعرفة البطريرك الراحل اغناطيوس شخصيا انذهل بتواضعه وشجاعته وبساطته الكبيرة وحبه للصوم ولبلاغته في الصمت وفي الصلاة وفي رسائله الصاعقة حيث تدعو الحاجة.

كان وديعا متواضعا محبا للسلام، فصار نموذجا حياتيا لكل شعبه وهكذا اتم الرب فيه وعده الصادق، فنظر الى المتواضع الذي يخاف كلماته واغدق عليه عطاياه الكثيرة، وجعله ينبوعا للتعزية الروحية وللتقديس ولفائدة كنيسته، ويصح هنا ما قاله سلفنا على عرش البطريركية القسطنطنية يوحنا الذهبي الفم متوجها الى القديس ملانيوس بطريرك الاسكندرية: “استطاع ليس فقط بتعليمه وبكلماته ولكن ايضا بمراه، ان ينقل كل فضيلة الى نفوس الذين كانوا ينظرون اليه”.

وان كنيسة القسطنطنية، شقيقة كنيسة انطاكية، تشارك معها في الحزن على فقدان رجل ملهم حقا وقائد بارز، الذي “يلهج فمه بالصدق، وشفتاه تكرهان الكذب” (أم 8/7)، والذي لسنوات عدة قاد قطيعه الى مراعي الخلاص على طريق ربنا ومشيئته الالهية. ولذا نقدم تعزيتنا القلبية لكل اعضاء المجمع المقدس والشعب كنيسة انطاكية المقدسة في سوريا ولبنان.

وانه لواجب شخصي علينا في هذا الوقت بالذات، وقت وداع اخينا المكرم الاخير، والذي سنقدمه بعد قليل، ان نوحد صلاتنا الحارة طالبين شفاعته المرضية امام الله لاجل سلام شعب كنيسته ولاجل هذه المنطقة الحساسة في الشرق الاوسط، واننا نقدم صلاتنا الحارة وطلبنا الى الله ان ينبر قادتنا وسلطاتنا في هذا العالم لكي يعملوا على حل المشاكل في هذه المنطقة وفي غيرها بروح العدل والاحترام لتاريخ شعوبها وقومياتها، وذلك دوما بمحبة الاله الواحد، و”بالمعرفة التي بها ينجو الصديقون وببركة المستقيمين التي تعلو بها المدينة، وبفم الاشرار تهدم. الاشرار هتاف” (أم 11:9-11). وانه لواجب علينا ان نعمل للحفاظ على المجمع الكوني ولحماية الحياة الانسانية اولا، والحياة الروحية والمراكز التاريخية والنصب الوطنية والدينية في هذه المنطقة من العالم التي وطئتها قدما المخلص المخلصتان، حيث “ارض الاحياء” سكنت في ما بيننا. هنا ايضا قامت كنائس قديمة رائعة واديار واماكن عبادة مقدسة على مر القرون على يد شعب تقي، وكعلامة على الايمان والمحبة تجاه اله الكل. بحزن عميق تبلغنا من خلال وسائل الاعلام اخبار هدمها في هذه الايام التي فيها يتحدث الجميع عن احترام حقوق الانسان وكل ما تم بناؤه بتعب القديسين الكبار اللامتناهي، وعلى يد حكام هذا الشعب الاتقياء وابائه المؤمنين، اننا واعون للحزن الذي سببه هذا الامر للبطريرك الراحل اغناطيوس “ذكر البار بركة”. اما لك يا اخي المبارك بطريرك انطاكية فالشهادة تكفي، وها انت اليوم تعاين النور حقا، نور الرب القدير والقوي والذي له كل سلطان على الحياة والموت.

نصلي لكي يتقبل الهنا الصالح والمحب شفاعته وشفاعتنا في هذا الوقت، وقت مثوله امام عرش الاله، وليوقف الله كل دمار، وليمنح اوان سلام حافظا حياة الناس وسلامهم، بلا تفرقة في الدين او المعتقد او الامة او العرق، ونضم صلاتنا بحرارة الى صلاة البطريرك الراقد لكي يحفظ الله هذا الشعب من كل شر منظور وغير منظور، هذا الشعب الذي يودع اليوم بحزن عميق وقلب منكسر منتظرا بالرجاء ان يلاقيه في ملكوته الابدي في اورشليم السماوية، ومن عمق قلبنا نصلي ايضا لكي يبقى روح هذا الشعب مرتفعا وغير مستعبد كما كان في تاريخه وتقليده وفي خبرته في الشهادة لاجل الحرية.

ونصلي خاصة لكي ينير الله كل اعضاء الاكليروس المحبوب في كنيسته لكي يعلن خلفا مستحقا للبطريرك الراحل، خلفا يسير على خطاه ويلتصق بالارث ويبقي ذكرى هذا الرجل المبارك حية، واننا نعبر عن رجائنا في ان يقتدي قادة كنيسة انطاكية المقدسة بمثال بطريركهم الراحل المضيء لان ذكر الرجل الصالح وقصة حياته المباركة تشبه المرآة الروحية على حد قول ابينا العظيم القديس يوحنا الذهبي الفم.

فليعط الهنا الكلي الرحمة اخانا المستريح وشريكنا في خدمة الرب الثواب المحفوظ للصالحين والحكماء، وليمنح نعمته لان “فيه نبع الحياة، وبنوره نعاين النور” (مز 35/10). ولتبق ذكرى البطريرك الراحل امام الله العادل.

واننا لنطلب من كل قلبنا من اخينا المحبوب صاحب الذكرى المباركة ان يصلي بلا انقطاع لكي يفلت ابناء هذه الكنيسة المقدسة في ما تعلموه وفي ما اوكلوا به (2 نيم 3:14)، ولكي نستحق جميعنا الرحمة الالهية والتقديس في يسوع المسيح ربنا الذي له المجد والقدرة والحكمة والحياة والقيامة الى دهر الدهور، آمين”.

بطرك روسيا

كذلك القى بطريرك موسكو وكل الروسيا البطريرك كيريل قال فيها: “اليوم نتقدم بالتكريم الى الاكبر سنا ومكانة في العالم الارثوذكسي، غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع بطريرك انطاكية العظمى وسائر المشرق.

حزن عميق وصادق اعتمر قلوب رؤساء الكنائس والاكليروس والمؤمنين في كنيسة انطاكية والكنائس الارثوذكسية الاخرى، وهم الذين عرفوا غبطته وعايشوه، وهو الذي كان القائد الاكثر شهرة في العالم المسيحي المعاصر.

حاز غبطته رتبة مهمة في اوساط كنيسة واسعة نظرا الى عمق لاهوته وفكره والى عمله المتفاني في نشر انجيل المسيح.

حيثما مارس غبطة البطريرك اغناطيوس رسالته وخدمته الكهنوتية ان في اسقفية بالميرا التاريخية او في ابرشية اللاذقية، او في عرش الرسولين بطرس وبولس، تحلى بغيرة مثالية على الكرمة التي ائتمنه عليها الرب يسوع المسيح. كنيسة انطاكية الارثوذكسية التي قادها هي منذ زمن بعيد اكبر كنيسة مسيحية في الشرق، وهي لا تزال عرين الارثوذكسية في المنطقة، من هنا تعرف انطاكية مدينة الله العظمى بعين الشرق وبوابته.

بالنسبة الى شعوب الشرق الاوسط، القرن العشرون كان زمن الاضطراب السياسي والاجتماعي، ما بدل الصورة الاثنية والايمانية في المنطقة. التغير الاجتماعي اصاب ايضا الجماعات الدينية ومن ضمنها الكنيسة الارثوذكسية في انطاكية، وكان على كنيسة انطاكية ان تعطي جوابا واضحا على تحديات المرحلة، ومنحها الرب في هذه المحنة رئيسا على شاكلة غبطة البطريرك اغناطيوس.

دافع غبطته عن مبادىء التعايش السلمي بين ممثلي الديانات المختلفة والثقافات المتنوعة، واسهم بشكل كبير في دعم قضية السلام في الشرق الاوسط، في حين وقعت الارض المقدسة في دوامة من العنف حددت تطور الحضارة الانسانية.

من اهم انجازات غبطة البطريرك اغناطيوس كان تأسيس جامعة علمية في دير سيدة البلمند البطريركي. وغدت هذه الجامعة صرحا علميا مميزا في الشرق الاوسط. لم يكن عبثا اهتمام غبطته بالتعليم الديني والروحية للشبيبة. في مطلع خدمته الكنسية ادى دورا فعالا في حركة الشبيبة الارثوذكسية التي تطورت في لبنان وسوريا، والتي منحت الكنيسة الارثوذكسية في انطاكية مصادر وحي جديدة.

في رئاسة غبطة البطريرك اغناطيوس، شيدت اديرة وكنائس جديدة عدة في لبنان وسوريا، اعيدت الى الحياة رهبانيات قديمة، وانتشر التعليم الديني على نطاق واسع.

اعتنى غبطة البطريرك بتطوير الرسالة المسيحية في مناطق الانتشار الارثوذكسية. ملايين الارثوذكس العرب الذين يعيشون في اوروبا الغربية، واميركا واستراليا، وجدوا ملجأ في رعايا الكنيسة الانطاكية، وشكلت هذه الرعايا مراكز روحية تجتذب الاف ممثلي الطوائف الاخرى.

الكنيسة الانطاكية ادت دورا مهما في حياة الارثوذكسية العالمية، مازجة الايمان الى التقليد الروحي، والقدرة على الشهادة للمسيح بلغة يفهمها شعبنا اليوم، واكتسبت الكنيسة خبرة كبيرة في التواصل الاخوي، والتعاون مع الكنائس الارثوذكسية المحلية.

لا استطيع الا التعبير عن العلاقات الخاصة بين كنيسة انطاكية وبطريركية موسكو، كانت علاقاتنا منذ زمن بعيد، وثيقة وتقوت اكثر في عهد غبطة البطريرك اغناطيوس وهو الذي حل ضيفا على الكنيسة الارثوذكسية الروسية في مناسبات عدة، وعرفه المؤمنون في كنيستنا جيدا واحبوه باخلاص، وثمنوا عاليا عمله في خدمة السلام ومساهمته في تدعيم الوحدة الارثوذكسية.

في ما يتعلق بي، فقد عرفت غبطته شخصيا منذ سنوات عديدة، وبحرارة خاصة اتذكر لقاءاتنا مؤخرا في لبنان وسورية، وضيافته ومحبته الاخوية، واعرف جيدا عمق المه من جراء الاحداث الاليمة التي يشهدها الشرق الاوسط، وكم حزن على الضحايا البريئة التي سقطت، وكم صلى بايمان لاستعادة السلام والمحبة الاخوية، واؤمن بان الله الرحيم سيستجيب لصلوات خادمة الامين.

لتبتهج روح غبطة البطريرك اغناطيوس بالرب يسوع المسيح وليمنحه الرب راحة ابدية ويسكنه في مساكن النور الالهي.

انسطاسيوس

كما كانت كلمة لرئيس اساقفة تيرانا وذيراخيو وكل البانيا، انسطاسيوس، بعنوان “طوبي لمن اخترته وقبلته يارب”، جاء فيها: “بحزن عميق والفخر بالرب، نودع اليوم احد عظماء رؤساء الكهنة الارثوذكسيين بطريرك انطاكيا وسائر المشرق، المستنير والكثير الحيوية، اغناطيوس الرابع، كان لي الفرصة ان اتعرف اليه سنة 1960، ارتبطنا روحيا عام 1961 في اطار منظمة الشباب العالمي الارثوذكسي SYNDESMOS هنا بالقرب من بيروت، بالرغم من انه كان يزيدني تسعة سنوات، ترك عندي انطباعا عميقا، والهاما بشخصيته اللطيفة، وثقافته اللاهوتية الممتازة، ودماثه اخلاقه نحونا، الجيل الاصغر، كان هناك لقاءات عدة في اطار مجلس الكنائس العالمي حيث مثل الارثوذكسية بطريقة جدية ديناميكية ومقنعة.

كان من عرفه منا يتذكره بروحه النقدية، وحكمته المميزة، وامكاناته الادارية، وشعاع حضوره، عاش ورعى كنيسة انطاكيا في قلب العالم الاسلامي في فترة اضطرابات التي تبلغ ذروتها في ايامنا الحاضرة، وذلك برجاحة عقل مذهلة، ونفس ملهمة من الروح القدس، وقوة تصميم هادئة، بمبادرته الملهمة وانجازاته التاريخية (كما جامعة البلمند)، نقل بطريركية انطاكية الى انتعاش جديد، خدم الكنيسة بايمان لا يتزعزع، ملهما من تطويبات السيد في الانجيل، وذلك ببساطة عفوية وبمحبة جريئة ونقاوة قلب وعطش للحقيقة والعدل.

ولكن لم يكن اهتمامه محددا بالشعب المختار من الانطاكيين، لكن عنايته توسعت لتمتد بشكل عام الى الشهادة الارثوذكسية في كل المسكونة، واظهار للوجه المسيحي الحقيق في الحوار بين الحضارات والاديان وفي توطيد السلام العالمي، ثابتا في الايمان العميق بالتقيد الارثوذكسي، كان بمقدوره ان ينفتح بلا خوف على العالم المعاصر وان يفهمه، وان يجاهد الى تجليه بقوة الصليب المنبعث من القيامة.

“الموت لمن عاشوا باستقامة هو انتقال الى الاحسن وعبور الى الافضل وطريق الى الاكاليل”، هكذا يذكرنا بشكل مستمر ابو انطاكيا، العظيم في الكنيسة، القديس يوحنا الذهبي الفم، وهذا بالطبع ينطبق على اخينا بالرب، المثلث الرحمة البطريرك اغناطيوس.

سيبقى في التاريخ، ليس فقط في تاريخ بطريركية كنيسة انطاكيا لكن بشكل عام في تاريخ الكنيسة الارثوذكسية مثالا للقائد الروحي الذي سيلهم ويشير الى الطريق كل الذين يحاولون ان يعيشوا بدقة وبقوة التقليد الارثوذكسي في العالم المعاصر الذي يتوق الى المحبة الاصيلة والجمال الروحي والابداع الذي لا ينضب.

كريزودوس

وجاء في كلمة رئيس اساقفة قبرص المتروبوليت كريزودوس: “ان كنيسة قبرص تعبر اليوم عن حزنها العظيم والاسى بفقدان صاحب الغبطة، وترفع يد التضرع الى الله وتطلب وتتوسل الى الرب الاله ان يريح نفسه مع الصديقين. كما نطلب الى الله ان ينير اباء المجمع المقدس لاختيار الخلف المستحق ليبقى عرش انطاكيا يتابع عمله من اجل خير الكنيسة ومجد الله وكل صالح من الشعب الانطاكي.

بوبار

والقى بوبار رسالة البابا: “لقد عرفت للتو ببالغ الحزن ان الرب دعا الى الاخدار السماوية غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم، بطريرك انطاكية وسائر المشرق للروم الارثوذكس، ابعث اليكم اصحاب السيادة اعضاء المجمع الانطاكي المقدس وجميع ابناء الكنيسة الارثوذكسية باحر التعازي، واؤكد لكم صلاتي وتضامني مع كل الذين في حزن على فقدان ابيهم وراعيهم.

قدم البطريرك الراحل، خلال حياته الطويلة في خدمة الانجيل، شهادة لامعة في الايمان والمحبة، من خلال عمله المتفاني من اجل السمو الروحي لرعيته، ساعيا لتحقيق المصالحة والسلام بين الشعوب.

اشكر الرب على المساهمة الايجابية والفعالة التي اسسها البطريرك اغناطيوس الرابع للتقارب بين كنيستينا. ليكن ذكراه حافزا لنا لمواصلة عمل الحوار وايجاد سبل الشركة الكاملة في المسيح.

كما اؤكد لكم صلاتي للمؤمنين المفجوعين في كنيستكم وتعاطفي معهم وارفع الصلاة من اجل السلام في المنطقة، ارجو من سيادتكم ان تقبلوا مني خالص تحياتي في المسيح”.

سليمان

وفي ختام الخدمة، القى سليمان، قبل ان يضع على نعش الفقيد وسام الأرز الوطني من رتبة الوشاح الأكبر، الكلمة التالية: “ايها الفقيد العظيم، اليوم لبنان- الرسالة يودعك بألم ورجاء: الألم لأن منابع الايمان فيه ستفتقد ادعيتك وحكمتك ومحبتك الغالية، والرجاء لأن من آخر ما قلته: “إذا تزعزع الشرق من أقاصيه الى أقاصيه فلبنان لن يتزعزع!”
ايها الفقيد العظيم الغالي، تقديرا لعطاءاتك الكبرى من اجل لبنان ورسالته الانسانية والحضارية في الشرق والغرب، كنت منحتك وسام الأرز الوطني من رتبة الوشاح الأكبر، يوم كنت بيننا اخيرا، واضعه اليوم على نعشك في يوم وداعك، وستبقى ذكراك راسخة في القلوب والعقول على الدوام.

ونقل الجثمان بعد الصلاة الى الكاتدرائية المريمية في دمشق حيث سيسجى حتى بعد ظهر غد الاثنين، قبل ان تقام الصلاة الجنائزية لراحة نفسه ويدفن في مدافن البطاركة.

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply