الرئيسية | من نحن | راسلنا    Saturday, November 17, 2018
 

حين يكتب أنطوان غندور… يُتوّج النص بطلاً

نشر في 2013-01-03 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

خلدون زين الدين:

الموعد يومي معه. السادسة صباحا، يُطل وفي باله جديد يقدمه لمستمعيه، لمتابعيه ومعجبيه. يدخل انطوان غندور مكتبه في مبنى اذاعة صوت لبنان في ضبيه. نظرة سريعة على البحر من على تلة تجاور صخور نهر الكلب، وفي العينين مزيج رجل “مُشبع” بالتاريخ والفكر، وشاب ملؤه الحيوية والابداع… هو اليوم يقدم لنا وطنا.
السابعة والربع صباحا، يزور مكتب المذيعين، يسابق على الصحف اليومية، يختار منها ما يُلهم عمله. يستفزك باصراره واجتهاده الاشبه بالعبادة. تسأل كيف لنا ان نتعب وهذا الرجل يأتي باكرا الى العمل، يكد ويجتهد، ويترك عمله بعدنا بساعات وساعات. تخجل امامه من التذمر او ضغط العمل، وهو هو نقيض الملل او الكلل. تحضرك مقولة بنيامين فرانكلين: “لا تتوهمنّ ابدا انك اصغر سنا او اكبر سنا من ان تحقق انجازا ما، اذا كانت لديك الموهبة، وهل للسن اي تاثير فعلي على قدرة المرء؟”.
يغوص في “متاهات” الفكر والقراءات المتعددة المتنوعة من كل مكان وكل اتجاه. يغريك من دون اي اماءة لتتحدث اليه، لتتقرب الى عقله، الى سره. في الفترة الاخيرة كان منغمسا بكتابة عمله المسرحي “نقدم لكم وطن”. انتاجه ثقافي والمادة المقدمة تلحظ عمقها يوميا عبر اثير اذاعة صوت لبنان 93.3 fm؛ صباحا من خلال “زوربا اللبناني” (تقديم: غسان اسطفان وعصام الاشقر)، ظهرا من خلال “احم احم” (تقديم/ مريم العلية وشادي معلوف)، وليلا “اوتوستوب” مع رفعت طربيه. غزارة إنتاجه كبراعة ادراك الشبه بين الاشياء المختلفة والاختلاف بين الاشياء المتشابهة…. فماذا عن عمله المسرحي الجديد؟؟

  ***
“نقدم لكم وطن” مستمرة على خشبة مسرح كازينو لبنان

“نقدم لكم وطن”… عنوان العمل المسرحي الجديد لأنطوان غندور. عمله “يُمسرح” حقبة من تاريخ لبنان تمتد من الـ 1912 الى حين خروج العسكر العثماني من البلاد سنة 1920. البطريرك الياس الحويك كان احد نجوم تلك المرحلة. وبما يملك من حنكة ودراية كان يسعى لتحقيق وطن قادر على الاكتفاء الذاتي لاعتقاده بأن القدرة الذاتية تدعم نيل استقلال الوطن، وتمنحه الحرية في اتخاذ القرار وتحقيق كرامة الشعب، والاستغناء عن المساعدات الخارجية كي لا تؤثر في قراراته، فسعى الى تحقيق مساحة وطن قبل تحقيق الوطن. وبما ان تحقيق هذا الحلم، كان من المستحيلات حاول بشتى الطرق والاساليب انقاذ شعبه من المجاعة، فهادن، حاور، اقدم وتراجع ولكنه رغم كل الظروف لم يتخل عن تحقيق حلمه بلبنان الكبير.
المسرحية تختصر ذلك الواقع، من خلال دار للعجزة يديره دكتور شاب كان ارسله البطريرك ليتخصص في فرنسا، وحين عاد اوكله برعاية المسنين في دار للعجزة انشأه، ولكن اللافت هو ان هذا الدار يجمع رجالا ونساء من جميع الطوائف والمناطق. الكسرواني (بيان شمعون)، البيروتي (خالد السيد)، الجنوبي (مخول مخول)، الشوفي (علي الزين) ونجلا هاشم، ومدبرة الدار (فاديا عبود)، هؤلاء المسنون الذين يختصرون الوطن، يؤلفون -وهم في الميتم- فرقة موسيقية كل فيها يعزف على ليلاه وهذه حالة الوطن.
والى جانب الدار، كان هناك ميتم للاطفال، يضم اطفالا فقدوا اهلهم في الحرب جراء الجوع او السخرة او المصادرة لأخذهم على الجبهات. الميتم هذا، ضم اطفالا ابرياء، اذكياء وفرت لهم “مجدولي” كل الرعاية والحنان، ولا بد هنا من الاشادة بالطفل “ربيع” الذي لعب دوره باتقان يعجز عنه اي ممثل محترف.
قصة حب تنشأ بين الدكتور العائد من الغربة، و”مجدولي” راعية الاطفال، من خلال اسلوب شفاف، يتجه احيانا الى الشاعرية، ويعود الى الواقعية بمزج ساحر، عُرف بـ “الاسلوب الغندوري” (نسبة الى انطوان غندور)، اسلوب الكاتب.
من خلال الميتم ودار العجزة تبرز الناحية السياسية في العمل من خلال البطريرك الحويك وعدد من المتصرفين، لعل ابرزهم هو المتصرف الارمني اوهانوس قيوميجيان الذي برهن عن صداقة كبيرة للبطريرك وكان وداعه له مؤثرا حين قرر تقديم استقالته ومغادرة البلاد.


يمر العمل بعدة مراحل منها صراعات تلك الايام واعدامات ساحة الشهداء وتنافس فرنسا وانجلترا والشريف فيصل على السيطرة على البلاد، ولجنة كراين ودخول اميركا الحرب، ودور مترجم القنصلية الفرنسية يومها الصحافي اسكندر الرياشي ومراسلات يوسف السودا وغيرها من الاحداث المستارعة وقتذاك.
كعادته في ادواره التاريخية، كـ “بربر اغا” وطانيوس شاهين، برع انطوان كرباج في دوره فجسد شخصية البطريرك بتأدية مقنعة لولا هنات صغيرة اخرجت دوره عن الشخصية مثل تهكمه على جمال باشا من خلال تمديده وتطويله بعض الالفاظ مثل “حوووفر”، اما بقية الممثلين فأدوا ادوارهم ببراعة خصوصا علي الزين، نجلا هاشم، جورج دياب فاديا عبود، سامي ضاهر وبيار شمعون، وقد بالغ الاخير في حركاته وكلماته، وارتجالاته، الامر الذي انسانا انه في سن الشيخوخة.
الاخراج حمل توقيع مخرج مخضرم ريمون جبارة، ومخرج منفذ غابي يمين، ولكن طُرح سؤال: لماذا حصر الاخراج الديكورات ضمن مساحات صغيرة ضيقة علما ان امكانات مسرح كازينو لبنان متوفرة وتستطيع ان تحقق المساحات الواسعة الامر الذي اثّر في تحريك المجاميع. اما ازياء بابو لحود فكانت متناسبة وملابس تلك المرحلة التاريخية.
تبقى كلمة تقال، ما شهدناه في العروض الاولى من مسرحية “نقدم لكم وطن” اثبت ان النص الجيد يستطيع ان يكون البطل والنص هنا كان البطل، ومن ثم تأتي من بعده بقية البطولات.
المسرحية بمجملها مسرحية وطنية بامتياز وهي وإن حملت اسم البطريرك الحويك فهي ليست دينية بالمطلق إنما هي واقع مطلق، وامانة تاريخية لما عاشته البلاد. الاسئلة التي تدعو الى التأمل والمقارنة تطرح بشفافية واسلوب مميز، وقد بدا واضحا ان الانتاج الذي تولته “شركة لبنان التراث” كان سخياً وقد أعادنا الى اجواء “المسرح المسرح”.

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply