الرئيسية | من نحن | راسلنا    Monday, November 20, 2017
 

دعاء “جهنمي”! – حبيب يونس

نشر في 2013-02-25 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

habib

دعاء مرفوع إلى الله وحده، الآب الضابط الكل، خالق السماوات والأرض، العليِّ القدير، لا إلى إيٍّ ممن يظنون أنفسهم أنهم هو سبحانه – أستغفر الله – أو يحاولون التَّألُّه على صورته ومثاله – قاتلهم الله – أو يستخدمون اسمه أحيانًا في القسم أو في الكلام – وهم أكثر خلق الله نفاقًا – أو للذَّبح… والله العظيم.
ربي… سأرتكب كل الجرائم الممكنة التي تجعل مكاني، في الآخرة، ليس في جهنم فحسب، بل وفي أسوأ مكان فيها، ربما في زنزانة انفرادية تتآكلني نارها المستعرة وحدي دون غيري من الخاطئين، لا دفعة واحدة، بل مسامًا مسامًا، فأتعذب كما لا أحد.
مثلًا، سأخالف وصاياك جميعًا، ما خلا ما يتعلق منها بعبادتك دون غيرك، وإكرام الوالدين. وعليه، سأفجر عبوة ناسفة في مكان يعج بكبار المسؤولين العالميين، وهم يجتمعون من أجل خير البشرية والكون، فأقضي عليهم جميعًا لئلا تقوم لهم قائمة، ويكونون عبرة لمن سيخلفهم. ثم أفجر عبوة أخرى مماثلة في اجتماع لكبار القادة العرب، للغاية نفسها… ولا أوفر مسؤولينا البلديين من عمل مماثل.
سأسطو على كل خزائن المال والذهب والأحجار الكريمة في العالم، لأجعل أهل الأرض لا يساوون ليرة لأنهم لا يحملونها؛ وأغزو كل مخازن القمح فأحرم سبعة مليارات بشري لقمة خبز حتى؛ وأرتكب الفحشاء والمجون والعربدة أينما كان ومع أي كان، مشتهيًا كل امرأة وكل مقتنى؛ وسأشهد بالزور فأشغل المحاكم، وأنمُّ على كل إنسان فيمضي عمره في دحض الإشاعات، وأدسُّ على أي كان لئلا أدع ساعة صفاء لأحد.
ربي… قد تسألني، وأنت العالم بكل شيء: ما دافعك إلى ارتكاب ما سردت أعلاه، كي تتمنى نار جهنم تتآكلك مسامًا مسامًا؟ أجيبك: لأن جهنَّمَ هذه نعيمٌ، مقارنة بجهنمين تلتهمني نيرانهما منذ سنين.
جهنم اتفاق الطائف، يا رب. وما أدراك؟ اتفاق فُرض على اللبنانيين، ليبقوا رهائن للقرار الخارجي، فلا ظلَّت سلطة لمسؤول واضحة ومحددة، في تداخل يشكل متاهة لا خروج منها. كل قرار مسبوق بمخاض أليم. وعند كل قرار أو إجراء بسيط، حتى لو كان تعيين حاجب، أضع يدي على قلبي، وأتضرَّع إليك، يا رب، لأنه لن يرى النور سليمًا معافًى، إلا بأعجوبة. ومن غيرك قادر على العجائب؟
وكلما أردنا تجديد شبابنا السياسي، يخرج قانون انتخاب جائر، فتظن أن ثمة من يضع يده في جيبك ليسرقك علنًا، وهو يشكو، علنًا أيضًا، الظلم اللاحق به.
وكلما أردنا تثبيت هيبة الدولة، عبر جيشها، يُزج في معركة، أو يتعرض لاعتداء، متبوع بحملة تجنٍّ عليه. وإذ يسقط من صفوفه شهداء، لا يخجل ذوو قاتليهم الموقوفين، في تحويل حياتنا جحيمًا، للمطالبة بالإفراج عنهم، وبصلافة غير مسبوقة. قد يكون بين الموقوفين من لا يستحق مدة التوقيف الطويلة هذه، لكن السؤال لِمَ المماطلة في كل قضية تستهدف الجيش، من الضنية مرورًا بنهر البارد وصولًا إلى عرسال؟ هل ثمة ما تريد السلطة إخفاءه، فتميِّع الأمر، كلَّ مرة بحجة، حتى يأتي عفو عام عن الموقوفين، يبقي السرَّ سرًّا؟ وهل من عجب ما دام ثمة موقوفون يُفرج عنهم فتُقلِّهم سيارات مسؤولين إلى منازلهم، أو تفتح لهم قصورهم ترحيبًا؟ وهل يُلام بعدُ، كراكوز مطلوب للتحقيق، في أن يقف خطيبًا في ساحة عامة، وسط العاصمة، محروسًا من قوًى عسكرية يهاجمها صبح مساء، بدلًا من أن تسوقه مخفورًا إلى المخفر؟
وكلما شكرنا لك أن الحرب توقفت، وأن لبنان تحرر، وبات أمام أبنائه فرصة لبنائه وتحقيق ازدهاره، زج به البعض في أزمات، وتحوَّل مأوًى لإرهابيين تطاردهم أمم الأرض جميعًا، وتغض الطرف عن وجودهم بيننا، “قاعديين منصورين”!!!
وكلما وكلما… واللائحة تطول يا رب.
تبقى جهنم الثانية. لا لزوم لأخبرك عنها، لأنك تعرفها مثلي، مذ بدأت أمي تتضرع إليك أن ترافقني حيث ذهبت. حزرتها يا رب؟ زحمة السير، ما غيرها. كانت، يا رب، على ما تذكر تنحصر في ساعات محددة في النهار، فأسعى إلى تجنبها قدر الإمكان، أما اليوم فباتت على مدار الساعة، وفي كل مكان… تقتل فيَّ كل اندفاع إلى عمل، أو إلى عقد اجتماع، أو إلى حضور مناسبة، أو حتى إلى “شم هواء”، وتجعلني أسير منزلي راضيًا مطمئنًّا.
فعفوك، ربي، ارحمني وأنقذني من هاتين الجهنمين اللتين لم أرتكب طوال حياتي ما يجعلني أستحق نارهما، بجهنم الحقيقية ولو لم أنفذ جرائمي التي ذكرت آنفًا… فأنت أرحم الراحمين، وأنت سميع مجيب. آمين.

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply