الرئيسية | من نحن | راسلنا    Wednesday, October 24, 2018
 

لص… غير ظريف – حبيب يونس

نشر في 2013-05-14 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

habib younes

لو أدرك الكاتب الفرنسي موريس لوبلان نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، ولم يرحل عن هذه الفانية عام 1941، لتخلى عن لصه الظريف أرسين لوبين، واستبدل به لصَّ الطائف الذي ما انفك منذ العام 1989 يظهر لنا فنونًا وطرائق وأساليب في سرقة الحقوق، تبزُّ بأشواط ما كان يقوم به بطل تلك السلسلة القصصية التي رأت النور عام 1907.

أرسين لوبين لص ظريف نبيل وشريف وشهم، كرَّس حياته للكشف عن الجريمة وتعقب الجناة وتقديمهم إلى العدالة. بطل هو لا يموت، يختفي عند اللزوم، ويظهر وقت الحاجة، إنساني النزعة حيوي، ولديه حس تاريخي، يحاكي، في أهدافه، مغامرات روبن هود.

أما لص اتفاق الطائف فليس شخصًا بذاته، بل هو سلوك، أفرغ ذاك الاتفاق من أي إيجابية، باتباعه سياسة الغالب والمغلوب وتصرفه على هذا الأساس، خصوصًا في ما يتعلق بضرب المساواة بين اللبنانيين، سياسيًّا واجتماعيًّا وإنمائيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا وعسكريًّا وتعليميًّا وإداريًّا وإعلاميًّا. لص دونه والظرف بيدٌ دونها بيدُ، إذًا هو غير ظريف. فيما الشهامة والشرف والإنسانية وحب المساعدة وكشف الحقيقة والحس التاريخي، كلمات في قاموسه يرددها ويخدع الناس بتبنيها، لكنه يتقن عكسها ويعمل بموجبه، لتليق به، بينه وبين نفسه، على الأقل، صفة اللص المحترف.

وعليه، لا يمكن أن تجد بين اللص الظريف أرسين لوبين، ولص الطائف غير الظريف، أي وجه شبه، على الإطلاق، ما خلا قدرة الإثنين على ابتكار الحيل التي يقابلان بها الأزمات.

وإليكم بعض حيل لصنا غير الظريف. حوَّل الطائف صلاحيات كثيرة كان يتمتع بها رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعًا، فإذا بها تؤول إلى رئيس الحكومة. نص الاتفاق على رفع عدد النواب من 99 إلى 108، بالمساواة بين المسيحيين والمسلمين، فزيد إلى 128 إرضاء لمحظيين ومكافأة لوطنيتهم المفرطة. دعا الاتفاق إلى تمثيل عادل للبنانيين ضمن المساواة في المجلس النيابي، فإذا بقوانين الأعوام 1992 و1996 و2000 و2005، تمعن في ضرب التوازن، فتتمثل طوائف بنواب حقيقيين، فيما نصيب طوائف أخرى من التمثيل نواب ينتمون إليها بتذكرة الهوية ليس إلَّا. طالب الطائف بانسحاب الجيش السوري، بعد سنتين من إقراره، إلى البقاع، فإذا به يتمدد في طول البلاد وعرضها، ويصبح وجوده “شرعيًّا وضروريًّا وموقتًا”، ويا ويل من يخالف أو يعارض. قال الاتفاق بالوفاق الوطني ونص في مقدمته على أن لا شرعية لأي سلطة تخالف مقتضيات العيش المشترك… فنفي قادة وسجن آخرون واضطهد ثالثون، وتربع على كراسي الحكم سعيدًا كل من أتقن فن الاستزلام والانبطاح والتدجين والترويض. شدد الطائف على الإعمار والإنماء المتوازن، فإذا ببيروت وحدها ورشة كبرى، فيما المناطق الأخرى تعاني الإهمال والتخلف، مع فاتورة دين عام ترهق الشعب منذ أعوام وسترهنه بثقلها أعوامًا بعد، وإهدار مالي لا أول له ولا آخر، وإثراء غير مشروع على عينك يا تاجر…

لائحة الحيل لا تنتهي هنا… لنصل إلى حاضرنا. إلى هذا الأسبوع المفترض به أن يكون مصيريًّا وحاسمًا، بإقرار قانون انتخاب يساوي بين اللبنانيين، تجرى الانتخابات على أساسه. ثمة مشروع يعرف باللقاء الأورثوذوكسي وحده، حتى اللحظة، يترجم تلك المساواة. وثمة مشاريع تُدرس، حتى اللحظة، وكلها قاصرة عن هذه الغاية. أما الأحابيل والحيل المسوقة لتبرير رفض المساواة فكثيرة، أهمها: الخوف على العيش المشترك (عن جد؟)، مخالفة الدستور (بلا مزح)، ضرب الميثاقية (مضحك مبك)… أما سرقة مقاعد من طائفة ليشغلها من لا يمثلون تلك الطائفة، فتعزز العيش المشترك وتلتزم الدستور وتعزز الميثاقية، وليست لصوصية يعتمدها هذا السلوك ليؤبد سياسة الغالب والمغلوب. حاشا وكلا. أعوذ بالله.

لص غير ظريف… جاءه ما يسمى الربيع العربي، وفصله السوري خصوصًا، شحمة على فطيرة، ليبتكر حيلًا جديدة، ليس أقلها مقاطعة المؤسسات وتعطيل الحياة السياسية، أو التهديد بفرض حكومة أمر واقع في ظرف يقتضي أن تكون الحكومة وفاقية جامعة تواجه ما ينتظر لبنان محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا.

كان اللص الظريف أرسين لوبين بتخفّيه وحيله وتدخُّله من أجل الخير من دون أن يهدف إلى كسب مادي أو تحقيق ثروة أو انتقام من خصومه، يُعرف بصاحب الألف وجه. أما اللِّص غير الظريف الذي لم يشبع بعد من الكسب غير المشروع، ومن مد يده على خرج غيره، ومن الانتقام من كل مَن لا يماشيه ويؤيده ويدخل بيت طاعته… فبأي وجه من وجوهه الكثيرة سيلاقي شركاءه في الوطن، وغدَ الوطن؟

أوجه الشبه كثيرة بينه وبين اللِّص المقبوض عليه بالجرم المشهود.

هلَّا سمع لصنا غير الظريف بعبارة ماء الوجه…؟

أظن أن الوقت ما زال متاحًا لأن يتعلَّمها… ويحفظها.

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply