الرئيسية | من نحن | راسلنا    Sunday, November 19, 2017
 

الجبل الغافي بقلم عقل العويط

نشر في 2013-10-12 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

wadih annahar

فقرة زملاء – عن جريدة النهار

 

من حقّ وديع الصافي أن يستريح. ومن حقّنا أن نصيخ. فلنقلْ: هذا جبلٌ يغفو، حالماً كمثل زورقٍ يهدهده نهرٌ في الدروب إلى الهناك.

للمدّاحين والرثّائين أن يمتدحوه، ويقرّظوه، وفاءً وتكريماً ورثاءً. لكنْ، لا سبب يدعو إلى شيءٍ من هذا البتّة. فالرجل مات، لكنه لن يموت. وكذا أقول عن صوته الذي غادر هو الآخر، لكنه أيضاً وخصوصاً لن يغادر ولن يموت.
ليس وديع الصافي مغنياً، ولا مطرباً. فلنجعله صوتاً على حدة. هو أكثر، وأعمق، وأبعد، حتى لأقول فيه إنه “شيء” يحدث عبر السماع، لا ليبقى في الحدّ المرسوم للأذن المتلقية، وفي زمن الصوت فحسب، بل ليخاطب الزمن كلّه، ليله والنهار، وليسائل موهبة الوجود نفسه، متحرّشاً بوجدان اللامرئيات، وأحاسيس المجرّدات، غير خاضع لمقاربة، وغير قابلٍ لوصف.
ولأني لا أعرف كيف أصف الصوت – الجبل، وهو يتحوّل في الهنيهة نفسها ليصير الصوت – النبع السلسبيل، أو الظلّ الخفِر الممحوّ من فرط العشق الهامس وسواه، أجدني أمام صوتٍ – معجزة. فهو صوتٌ لا يكتفي بالجبل ليكونه، لأنه يكون في الآن نفسه، الجبلَ وتلك العشبةَ الرخيّة التي تنبت على الخاصرة. ألم تروا جبلاً على خاصرته عشبة؟!
السؤال المحرج هو هذا، ولا جواب: كيف لجبلٍ أن تمرّغه عشبة، من دون أن يتنازل عن كبرياء الجبل؟ وأيضاً: من أين لعشبةٍ أن تروّض جبلاً، من دون أن تتخلّى عن أنوثة العشبة؟!
ولأني لا أعرف كيف يجتمع في صوتٍ واحدٍ، الجبروت والرقة، منتصف الليل ومنتصف النهار، الرهبة والهمسة، الظلّ والضوء الفادح، أراني أصفه كجبلٍ مهيب وقد لقّحته نسمة أنثى، من دون أن يتخلّى عن كونه جبلاً مهيباً، ومن دون أن يخسر تأوّه الغرام وارتجافة النسمة الأنثى.
ولأني لا أعرف أن أصف هذا الصوت، فإني أراه بعينيَّ وهو يتعالى، ويتشامخ، ويتباهى، ويسمق، حتى ليطال سماءً في جبل لبنان، ولا أعلى، ليرقّ، من ثمّ، ويشفّ، فيمّحي مثلما يمّحي جبلٌ في غيمة. أو لينحني، مثلما ينحني عشيقٌ على آهة، وسكران على وجع خمرة.
لقد مات الرجل، لكنه ترك لنا إرثاً فنياً تتلاقى فيه الأضداد، وتتعاشق، لتؤلف مأثرةً غنائيةً فريدة في النوع. هذه المأثرة هي مدعاة للغبطة وليس للحزن.
لكن، في غفوة الرجل هذه، يحقّ للجبل اليتيم الذي انجبل صوت وديع الصافي به، أن يئنّ. كما يحقّ للنهر الذي رقّق جبروت الجبل، أن يغمض، لئلاّ يرى أحدٌ بلل عينيه. سلامٌ إلى الجبل الغافي.
نعى وزير الثقافة غابي ليون الفنان وديع الصافي الى اللبنانيين والى جميع محبي الفنان الكبير الذي وافته المنية مساء أمس. وتقام مراسم جنازته في الثالثة بعد ظهر الاثنين 14 تشرين الأول في كاتدرائية مار جرجس المارونية بوسط بيروت، على أن تقبل التعازي الاثنين قبل الدفن وبعده في صالون الكاتدرائية ويومي الثلثاء والأربعاء 15 و16 منه من الساعة الحادية عشرة قبل الظهر حتى السابعة مساءً.
كذلك نعت نقابة الفنانين المحترفين في لبنان”رئيسها الفخري الكبير وديع الصافي”.

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply