الرئيسية | من نحن | راسلنا    Monday, November 20, 2017
 

لبنان من دون وديع الصافي بقلم بول شاوول

نشر في 2013-10-12 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

wadih - almustaqbal

لبنان من دون وديع الصافي، كأن فقدنا نهراً، أو جبلاً أو سهلاً أو غابة من الأصوات. إنه الذي لا يعوّض. لا حضوراً، ولا لحناً، ولا أغنية، ولا حباً لبلده، ولا شغفاً بناسه، غادر وديع كما تغادر قارة.
غادرنا ولمّا نشبع من فنّه. دائماً نستزيد من هذا الصوت الذي ملأ السماء والأرض، هذا الصوت الفريد من حجم تاريخ. تاريخ لبنان. كأنّه فنان الفصول كلها. وكأنه فنان لكل الفصول، من تلك النبرات الشافة، إلى تلك الارتفاعات الشاهقة، إلى ما أقرب إلى التمتمة.. إلى ما يواخي الصلاة، إلى ما يسبق النشيد. الصوت المكتمل، الفريد في اكتماله، الذي لا يشبهه صوت. لا بطبقاته، ولا باتساعه، ولا بأصدائه، ولا بصفائه، ولا بامتلائه، بل إن كل لحن تحسه دونه، لا يُدركه. وأكبر من الكلام. غنّى الحب، “يا عصفورة النهرين” و”ولو”، و”يا أختي نجوم الليل شوفيها” إلى الفولكلور “عمر يا معمر العمار”، و”بالساحة تلاقينا بالساحة”، أو تلك الغنائيات الحميمة “رح حلفك بالغصن يا عصفور”، أو الوطنية “لبنان يا قطعة سما”.. أو “الجنوب اللبناني” أو القرى والمدن والعرزال والضيعة والطبيعة، والمواويل والعتابا. صوتٌ، ولا يتجاوزه نوع؛ صوت لكل الأنواع الغنائية، لا يتنازعه في ذلك لا عبدالوهاب ولا فريد الأطرش، ولا عبدالحليم حافظ ولا محمد قنديل.. إنه الصوت الممتنع. السهل الممتنع. والصعب الممتنع. والمستحيل الممتنع.
تربّينا على صوته، كبرنا معه. رافقنا في الحرب، وفي الأفراح وفي الأحزان، وفي المآسي، وفي الغربة، وفي المناسبات. دندن في صباحاتنا قبل طلوع الشمس أحياناً، وفي أمسياتنا، وفي نهاراتنا. رافقنا كأجسامنا، كسجائرنا، كأصواتنا. كهذا الوطن الذي أحبه. وشغف به، وأضاف إليه ما يضيفه الكبار، الكبار، وما توسّعه الأحلام اللانهائية، وحمل من قوته ونقائه إلى العالم كله: إنه صوت لبنان في فضاء العالم العربي، وفي العالم، وفي الاغتراب، كأنّما كان من خبزنا اليومي، وجرعاتنا العالية، ومن هوائنا، وريحنا ونسيمنا، ومن عواطفنا، ومن عزلاتنا.. صوته الرفيق طال كأنه لحظة، وأبرق كأنه زمن..
ثم غادرنا على مهل. غادرنا بهدوء. غادرنا من دون أن يسبق صوته. غادرنا وكأنه لم يغادرنا، فكيف يغادرنا هكذا، ونحن لم نغادره، في التسعين وما بعد بقليل، تاركاً فينا تلك الكنوز التي تبقى، التي لا تنفد، هذا التسعيني الشاب (مواليد 1921 في نيحا)، جاء شاباً إلينا.. وذهب في عزّ صوته، وفي عزّ شبابه!
غنى ما هو قريب وحميم “حلوي وكذابي”، شارك صباح وفيروز والمهرجانات في بعلبك، وبيت الدين، ونهر الكلب و”الأرز” من ألحانه الكثير الكثير بالمئات، ومن سواه لعبد الوهاب وفريد الأطرش والأخوين رحباني ووليد غلمية وزكي ناصيف، وفيلمون وهبي وعفيف رضوان، وتوفيق الباشا، ورياض البندك، وسامي الصيداوي…
ومن شعراء بارزين كيونس الابن، والأخوين رحباني، وأسعد السبعلي.
على أن وديع الصافي الذي خُلِعت عليه ألقاب عديدة منها “صوت الجبل”، و”الصوت الصافي”، و”قديس الطرب”، و”مطرب الأرز”، كان فوق كل تلك الألقاب: ولا لقب لبّى عظمة وديع. بل كأنما كل لقب كان دونه. أجمل من كل الألقاب. وديع. أكبر من كل الأصوات وديع. لم يغادره صوته حتى تمتماته الأخيرة، بقي وصوته جبلين لا ينتهيان. كصديقين لا يفترقان. كنهرين اتحدا الى الأبد: بقي صوته شاباً في شبابه. وشاباً في كهولته، وشاباً في شيخوخته. وشاباً في مرضه، فأي صوت هذا لا يهون، ولا يتعب، ولا يضعف، ولا يتردد، ولا يعجز عن أداء، ولا يسبقه إيقاع، ولا يعلوه.

 

فقرة زملاء عبر موقع قمر بيروت – جريدة المستقبل

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply