الرئيسية | من نحن | راسلنا    Sunday, November 19, 2017
 

وداعاً أيها الصافي

نشر في 2013-10-12 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

وديع الصافي في دار الأوبرا السورية في دمشق (أرشيف «السفير»)

أطلق وديع الصافي آهاته الشجية ورحل طاوياً معه عصر الطرب، وقد ترك صدى صوته المنشي يتردد في أجواء الوطن العربي جميعاً، بمشرقه ومغربه.
انطوت صفحة ولا أبهى من تاريخ الغناء العربي، الغناء الذي يذهب إلى الوجدان فينعشه إلى حد البكاء شجناً.
أطلق صوته العفي فملأ هواء دنيا العرب من أدناها إلى أقصاها، وهو الذي غنى مع لبنان وله سوريا بدمشقها ومصر بقاهرتها والعراق ببغدادها وبلغ صوت الفرح أقصى المغرب وأدنى المشرق، فكان مطرب العرب بحق، متجاوزاً الحدود وأنظمة القمع رابطاً بين الإنسان وأرضه.
مدّ صوته بساطاً سحرياً للطرب الأصيل، من غير أن ينسى أشجان وطنه وإنسانه، ببيوته الصامدة في الجنوب… وغنى بلداته وقراه، بأسمائها متعددة الأصل.
غنى فرح الحب وأشجانه.
غنى للعشاق والمغرمين،
غنى للملاحين وريسهم وللصيادين،
غنى لأبناء الحياة، وشهق بالبكاء مع المحبين، وأطلق صوته زغرودة فرح ليندفع العشاق إلى الدبكة وقد أنشاهم وأدخلهم إلى عالم النشوة بسحره جميعاً.
لم يكن وديع الصافي مطرب الناس فحسب، بل هو قد طار إلى المهاجرين يشدهم مجدداً إلى الوطن، يحمل إليهم أنفاس أمهاتهم والآباء.
كانت تنتظره دمشق فتتزيّن له وتذهب إليه بشوقها إلى الحياة فيطربها حتى النشوة… ويلتف من حوله شيوخ طربها والأجيال الجديدة من المغنين والمغنيات يتعلمون منه وهم يتأوهون.
وكانت تنتظره القاهرة بأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ والشعراء الذين يأخذهم صوته إلى القصيدة.
ولقد طاف جميع العواصم فغنى الناس وغنوا معه، وتأوّهوا وهم يسرحون مع آهاته كما مع أبو الزلف… بل انهم حفظوا له كل أغانيه التي لحّن معظمها، أو تلك التي لحنها له الرحابنة في بعض مسرحياتهم التي انتعشت بمشاركته فيها.
لقد دخل بصوته حياتنا جميعاً، بالأفراح فيها وأسباب الشجن… فغنى للناس ووزع البهجة على جمهور بالملايين في مشارق الأرض العربية ومغاربها.
صوت لبنان العفي، الشجي، المبهج، المنشي، المطرب، الممتع، الممتلئ عافية ونغماً مصفى.
لقد أعطانا ستين عاماً من الطرب وألف ألف أغنية لحنها بإحساسه وحبه للناس الذين كانوا يسمعون منه صوت الفرح والحماسة والشجن والفخر ويتسلقون معراجه إلى النشوة.
يغيب وديع الصافي لكن صوته الذي انبثق من صلابة صخورنا وترقرق كمياه أنهارنا وحلّق كصلوات وتنهدات عذارانا. صوته الذي كان ذخيرتنا ومؤونتنا وكنزنا يبقى جوّاباً في نسيمنا وفي عواصفنا وفي جبالنا. الصوت الذي هو في حجم وطن وملحمة شعب وذاكرة بلاد لن يختفي وسيبقى عزاءنا في هذه الأوقات الصاخبة الغاضبة الملعونة، غير أن العصف لن يصرفنا عن رؤية النسر الذي هوى في ضربة درامية، ملحمية، لنا وللعالم. غناؤه لم يكن وقفات جمال كبيرة فحسب، ففيه خفقات الوجد والقوة معاً، وهواجس القبض على كل العزم في الصوت البشري، وفيه ذلك النسيج التفصيلي لكل مرادفات الحنان، وإيقاعات الغوى المتعددة.
«شو طمّعك يا زين تهجر حيّنا»، كان يسأل وديع في الشريط الإنساني للحب، بصوته الذي يرى إلى ما فوق الكائن البشري، إلى الصوت الأعلى والحلقة الذهبية ما بين الإله والرجل.
أليس اقتران الصوت بالكلمة، والحنان بالقوة، والبساطة بالدربة هي أغنيات الصافي، راشحة بكل ما أبدعه الرب من سحر خلق الأصوات وكينونتها. ما الذي سوف نردده ونعدده مما غناه الصافي، وماذا ننتقي لندرجه هنا كمثال على عذوبة صوته ورفعة ذلك الصوت؟ الحقيقة أن كل ما شدا به الصافي يليق بأن يكون تذكيراً وداعياً فاخراً، وكل ما همس به، ما أعلى به الصوت أو أخفضه، يستحق أن يقال بأنه صفحة جمالية متعالية على أغلب ما نسمعه الآن، بل إنه البون الشاسع بين ما تجاوزه صوته، والضجيج الذي نسمع، وكم يبدو رخواً ومطاطاً قبالة غناء الصافي العــذب، الذي هدانا جميـــعاً إلى العذوبة كما ينبغي أن تكون تماماً.
رحيله وجعٌ جديد، يضاف إلى أوجاعنا البائتة، سكنت أخيراً لجّة صوته وأنفاسه وغدا الوقت وحلاً وفراغاً صدئاً. ضاعت الماسة، وها هنا المعنى من غيابه، الذي لا يتيسّر لنا استيعابه تماماً. وسترتسم سيرة حياته كلها على صفحة هذا البلد الذي يخون أبناءه، يرسلهم ليغرقوا أو يتعفنوا أو يتشظوا في موت لا يتزعزع. رحل الصافي وقد عاش لنا، عاش لشغفه وصوته، وعاش لكي يستلّ من قلوبنا أحلى انفعالاتنا، وهذا هو الحب الذي خلّفه لنا. لكن الموت ليس وداعاً فحسب، إنه ليذكّر أيضاً، أن من عاش بيننا، خلّد بعد رحيله، قرباناً بهذه الضخامة.

 

فقرة زملاء من وقع قمر بيروت – (السفير)

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply