الرئيسية | من نحن | راسلنا    Tuesday, November 21, 2017
 

بعد مرور أكثر من 100 عام على ميلاده.. هل عاش فريد الأطرش مغامراً أم مقامراً؟

نشر في 2013-10-22 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

فقرة زملاء لهذا الأسبوع عبر موقع قمر بيروت: الرياض – “الحياة”

11

فرضت الاقدار على الراحل فريد الاطرش أن يعيش بطلاً مغامراً منذ سنوات صباه الاولى وان يخوض معركة لا بد منها؟ ولكن هل كان رجلاً مقامراً ظل طيلة عمره يراهن على جواد كثيراً ما خذله ونادراً ما حقق له ما يشتهيه؟
وسواء غامر فريد الاطرش او قامر فهو لم يعش حياة سهلة، اذ تقلبت أحواله بين الغنى والعوز، العز والشقاء، الاستقرار والتشتت، الصحة والمرض. وكان فريد في ذلك كله فريداً في تحمله، وحيداً في مشواره حتى وهو وسط الاضواء والشهرة، وهذا الاحساس ألح عليه حتى آخر يوم في حياته.
أدناه مجموعة من التقارير التي رصدت أبرز المحطات والمغامرات الفنية والعاطفية في حياة الفنان الكبير فريد الأطرش.
نشأة فريد الأطرش:
ولد فريد الاطرش في قرية “القربة” بالقرب من مدينة “السويداء” في جبل الدروز لاسرة الاطرش التي قادت الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي. وتشير مصادر عدة الى ان مولده كان – على الارجح – 19 أكتوبر 1910، لكن أحدا لا يعرف على وجه الدقة تاريخ ميلاده بسبب ندرة تدوين المواليد في ذلك الحين. نشأ فريد نشأة الامراء في بيت والديه الامير فهد الاطرش ووالدته الاميرة عالية بنت المنذر التي انجبت خمسة ابناء توفي منهم اثنان وهما انور ووداد. اما الثلاثة الآخرون فهم فؤاد، فريد، وآمال التي اصبحت المطربة اسمهان بعد ذلك. ومع اشتداد الثورة ضد فرنسا في اعقاب الحرب العالمية الاولى عرف الشقاء والتشتت طريقه الى الاسرة التي تنقلت بين السويداء ودمشق وبيروت، تاركة الاب يقاتل مع الثوار ضد المستعمر الفرنسي.
انتقاله إلى مصر:
وعندما اشتدت مطاردة الفرنسيين لآل الاطرش في بلاد الشام من جانب، واصر والد فريد، فهد الاطرش على عودة الام واولادها الى الجبل، وأرسل بالفعل في طلبهم. كان لا بد ان تغادر الاسرة بيروت، ولكن الى اين؟ رأت السيدة عالية بنت المنذر في مصر المكان الآمن، فمصر لا تخضع للنفوذ الفرنسي فضلا عن ان الزعيم سعد زغلول صديق آل الاطرش كان قد شكل وزارته سنة 1923. هكذا انطلقت الأسرة من بيروت الى حيفا بالعربة، ثم الى القاهرة بالقطار حتى وصلت الى مصر بعد ان تخطت الام بمعجزة عقبة اجتياز الحدود من دون اوراق هوية ولا تأشيرات دخول، حيث استغاثت عبر الهاتف من سيناء بمكتب سعد زغلول رئيس الوزراء الذي امر بدخول هذه الاسرة الى مصر على مسؤوليته الخاصة.
ولم يكن من السهل ان تتكيف الاسرة مع الحياة الجديدة، إذ استأجرت شقة متواضعة في شارع باب البحر في القاهرة القديمة، ونجحت الام بالتحايل في إلحاق فؤاد وفريد بمدرسة “الفرير بالخرنفش”، إذ ادعت لمدير المدرسة الفرنسي انهم من عائلة “كوسة” وانهم فقدوا اوراقهم الشخصية في الرحلة، فرّق الرجل لحال الولدين ووافق على قبولهما بالمجان. وتحول فريد الاطرش الى “فريد كوسة” متحملا من اجل ذلك سخرية زملائه ومدرسيه. ومع مرور الايام نفد مال الام ومجوهراتها ، فاضطرت الى حياكة مناديل “القوية” التي تتزين بها النساء في مصر، وكلفت فريد توزيع هذه المناديل وتحصيل ثمنها. وفي هذه الاثناء بدأت موهبة الفتى الموسيقية تتفتح، وأخذ يتأثر بجمال صوت والدته ومهارتها في العزف على العود، ولعل هذا شجعه على طلب اذن من احد القساوسة بالمدرسة لحضور حصة التراتيل حتى اصبح بعد فترة وجيزة رئيساً لفريق المنشدين فيها. لكن معلمه قال له ذات يوم: “يا فريد انك تتمتع بحسن الصوت لكن ترتيلك ينقصه الاحساس، يجب ان تذرف الدمع وانت تنشد، وتجعل مستمعيك ايضا يشاركونك البكاء”، فاستجاب فريد للنصيحة. ولا يستبعد انها ساهمت في تشكيل شخصيته الغنائية الحزينة التي عرف بها فيما بعد. وبلغ من عشق فريد للموسيقى في طفولته انه وقف بجوار مقهى في شارع عماد الدين، اهم الشوارع الفنية في القاهرة، يستمع الى مواويل المطرب محمد العربي، لأنه لم يكن يملك ثمن كوب الشاي الذي يتيح له الجلوس في المقهى.
الأم تغني في ملاهي ليلية:
ومرت الأيام قاسية على الاسرة، واضطرت الام للغناء في ملاهي روض الفرج، وفي المقابل كان فريد قد اصبح المطرب الاول بالمدرسة، فتعرف عن طريق احد السوريين على الصحافي حبيب جاماتي الذي رشحه للغناء في احدى حفلات جامعة فؤاد الاول القاهرة حاليا، التي أقيمت لدعم الثوار السوريين. ونجح الشاب نجاحاً باهراً في أول مواجهة له مع الجمهور، وخرجت الصحف تتحدث عن هذه الموهبة الفذة وعن مستقبله المنتظر في عالم الموسيقى والطرب. غير ان هذا الحفل الذي كان مصدر سعادة لفريد حمل له مفاجأة غير سارة. اذ انفضح أمره في المدرسة، وعرف الجميع انه فريد فهد الاطرش وليس فريد كوسه، كما اشاع سابقا، فكان جزاؤه الطرد من المدرسة الفرنسية هو وشقيقه فؤاد، ما اضطره الى الانتقال بصعوبة الى المدرسة البطريركية ليكمل تعليمه، اما فؤاد فآثر العمل في أحد معامل الاسنان.
وابتسمت الحياة لفريد خصوصاً بعد عمله مطرباً في الاذاعات الاهلية التي عرفتها مصر في اواخر العشرينات وبداية الثلاثينات، اضافة الى المشاركة في احياء أفراح الطبقتين الشعبية والراقية على السواء، فانتقل مع اسرته من مسكنه في باب البحر، الى حي غمرة، ومنه الى منطقة حدائق القبة. وفجأة قررت الحكومة المصرية اغلاق الاذاعات الاهلية تمهيداً لافتتاح الاذاعة الرسمية في ايار مايو 1934، مما تهدد فريد بضياع أهم مصادر رزقه. لكن القدر ساق له هذه المرة الموسيقار مدحت عاصم مدير الموسيقى والغناء بالاذاعة المصرية، الذي يعود اليه الفضل الأول في صناعة شهرة فريد الأطرش ومجده. وقرر المسؤول الأخذ بيد الشاب الموهوب، اعتمده اولاً كعازف عود في الاذاعة وحدد له وصلتين اسبوعيتين مقابل اجر جيد، ثم عينه ايضاً مطرباً بل و قدمه للمرة الاولى في حفلة عامة حضرها كبار الشخصيات في الدولة، وكـانـت المـناسبة التي شهدت تحول فريد الاطرش مطرباً معـترفاً به.
نجومية فريد الأطرش:
ومع صعود نجم فريد الاطرش كانت شقيقته اسمهان قد بدأت تسلق سلم الشهرة ايضاً. وكان طبيعياً أن يستقطبا الاهتمام كظاهرة فنية جديدة، فسعى استوديو مصر للجمع بينهما في فيلم سينمائي حمل عنوان “انتصار الشباب” الذي عرض عام 1941 من اخراج احمد بدرخان. وكاد مشروع الفيلم يموت في المهد على اثر اصرار فريد على تلحين كل أغنيات الفيلم الخاصة به وباسمهان ايضاً، فيما كانت ادارة الانتاج تحبذ تكليف ملحنين معروفين من ذوي الاسماء الكبيرة بهذه المهمة. ولما تخلى فريد عن أغنيات شقيقته لملحنين آخرين، وافق حسني نجيب مدير استوديو مصر مرغماً على شروط الموسيقار الشاب الأخرى.
وعرف المال طريقه الى فريد بعد نجاح الفيلمين، فأصبح محط انظار الطبقة الراقية، ورحب هو بهذا الجو الجديد الذي جاء تعويضاً عن ايام البؤس والشقاء. هكذا اعتاد الموسيقار الشاب تدريجاً على مراهنات الخيول وطقوس اللهو والسهر، وكان كلما زادت خسائره ازدادت شهوته للتعويض، حتى انه تعرض للافلاس اكثر من مرة. وشهدت باريس أقسى محنة مر بها بسبب الطاولة الخضراء حينما اضطر لرهن ساعة يده ليحصل على ثمن تذكرة العودة فضلاً عن حلوله ضيفاً على مسافر مصري رافقه في الرحلة، وحين عاد وجد صاحب المنزل يطالبه بايجار ثلاثة اشهر لم يكن قد دفعها.
مغامرات الأطرش العاطفية:
في هذه الفترة كان فريد قد انهى للتو علاقة استمرت 10 سنوات بفتاة من بنات الطبقة الراقبة وصفها في كل احاديثه بـ”السمراء بنت الذوات”. ولم يفكر مرة واحدة في الزواج منها، إذ كان يرى في الارتباط العائلي مقبرة للفن وقيداً لطموحات اي فنان. ولما كان ذا عاطفة متأججة وفي حاجة ماسة للحب، فقد خرج من قصة حب هذه السمراء ليقع في غرام سمراء اخرى هي الراقصة سامية جمال. والراقصة المعروفة ليست المرأة الاولى في حياته، ولم تكن الاخيرة ايضا، لكن قصة حبهما كانت الاعنف والاطول عمراً. اذ دخلت سامية جمال حياته في ظروف غاية في الحساسية، فهي جاءت في اعقاب أكبر أزمة مالية واجهته، وبعدما تركت والدته البيت اعتراضاً على جو السهر والبذخ مفضلة الاقامة وحدها .
والاهم من ذلك انه تعرف الى الراقصة الشهيرة بعد مصرع شقيقته وتوأم روحه اسمهان في حادث غرق السيارة الشهير الذي لا يزال غامضاً حتى اليوم. وأراد الموسيقار الكبير ان يعمق علاقته بسامية جمال فقرر ان ينتج للمرة الاولى فيلماً يقومان ببطولته، وباع سيارته وحظيرة خيوله واستدان مبلغ عشرة آلاف جنيه، كما حصل على كثير من المساعدات المادية والفنية من صديقه المخرج هنري بركات. وبفضل ذلك كله تمكن من انجاز فيلم “حبيب العمر” 1947 الذي أحرز نجاحاً تجارياً ضخماً انتقل فريد معه الى مرتبة الاثرياء، وسدد كل ديونه. وأغراه النجاح والحب باعادة الكرة، فأنتج وشارك سامية جمال بطولة خمسة افلام اخرى بين عامي 1947 و1952 هي: “احبك انت” و”آخر كدبة” من اخراج احمد بدرخان و”عفريتة هانم” و”ماتقولش لحد” اخراج بركات، و”تعالى سلم” اخراج حلمي رفله. الا انه بقدوم عام 1952 كانت الازمات العاطفية قد بلغت مداها بين الحبيبين بعد ان نجح البعض في الايقاع بينهما فأخذ كل منهما ينسب الى نفسه الفضل في نجاح الآخر. وفي الوقت نفسه كان فريد لا يزال متشبثاً برفضه الزواج، فكان طبيعياً ان تمل سامية جمال هذه العلاقة. وفجأة تم الاعلان عن زواجها من شاب اميركي اعتنق الاسلام واطلق على نفسه اسم عبدالله كنج لتنتهي واحدة من اشهر قصص الحب.
من ناريمان الى شادية:
وعقب الانفصال الفني بين فريد وسامية جمال عام 1952 ظن الجميع انه قد انتهى. لكنه سرعان ما عاود الوقوف على قدميه ثانية، واستعاد وجوده الفني، مع نجاح فيلم “لحن الخلود”. وأهم ما في هذه التجربة ان الفنان لم يضطر ان ينتج فيلماً لنفسه حتى يعود الى السينما من دون سامية شريكته في النجاح، وانما جاءت المبادرة من استوديو مصر صاحب الفضل الاول في تقديمه على الشاشة الكبيرة عام 1941.
وتوافرت لفيلم “لحن الخلود” كل اسباب النجاح، إذ جمع لاول وآخر مرة نجمات السينما الثلاث فاتن حمامة ومديحة يسري وماجدة، فضلاً عن ان فريد أنشد فيه مجموعة من انجح اغنياته على رأسها اغنية “لحن الخلود” التي اخذ منها الفيلم عنوانه.
وبعد هذا الفيلم تفتحت شهيته للعودة للانتاج فقدم في 1953 فيلم “لحن حبي” من بطولة صباح وحسين رياض واسماعيل ياسين وعبدالسلام النابلسي، وظهرت فيه الراقصة ليلى الجزائرية التي أتى بها من باريس لتدخل الشهرة من أوسع أبوابها بعدما رقصت على واحدة من اكثر اغنياته انتشارآً وهي اغنية “نورا” التي أداها في ذلك الفيلم. وكانت هذه الراقصة الشابة المرأة الجديدة في حياة الموسيقار المعروف، لكنه لم يكن حباً بالمعنى المألوف على الاقل من ناحيته هو، بل كان اقرب الى التعود، والتعود عند فريد أقرب الى الحب. اما هي فتحطمت آمالها على صخرة شعار “الزواج مقبرة الفن” وعادت الى فرنسا.
علاقته بالزوجة السابقة للملك فاروق:
ولما كان فريد لا يطيق الحياة من دون قصة حب، فقد كانت بطلة قصته هذه المرة هي الملكة ناريمان الزوجة السابقة لفاروق آخر ملوك مصر قبل 1952. وكانت علاقة الموسيقار بالملكة قد بدأت منذ أحيا حفلة عرسها بناء على رغبتها، اما الملك فلم يكن يرتاح له باعتباره احد منافسيه على قلوب النساء. المهم ان صداقة نشأت بين فريد وأسرة ناريمان استمرت حتى قيام الثورة. وحين غادر فاروق ومعه ناريمان الى اوروبا، لم تحتمل الحياة في الغربة، فحصلت على الطلاق وعادت الى القاهرة لتجد كل من كانوا يملأون عليها حياتها ينفضون من حولها خشية غضب رجال الثورة. إلا ان فريد ظل وفياً لها ولاسرتها حتى تحولت الصداقة الى حب جارف من جانبه، فيما كان لا يستطيع ان يحدد شعورها تجاهه على وجه اليقين. لكن علاقتهما أثارت اهتمام الصحافة في تلك الفترة، فدفعه ذلك لحسم الأمر واتخاذ القرار للمرة الاولى في حياته بخرق قاعدته الذهبية، وتطليق العزوبية. ولكن عندما همّ بطلب الزواج من ناريمان فوجئ بحديث منشور لوالدتها السيدة اصيلة تهاجمه فيه، وتتهمه بأنه اساء استغلال معاملة الاسرة له، وصدم الموسيقار المرهف صدمة جعلته يسقط مريضاً بالذبحة الصدرية، لتبدأ من هنا رحلة عذاب شاقة مع المرض لم تنته إلا بوفاته.
وعلى رغم فشل علاقته مع ناريمان عاد فريد للوقوع في الحب مرة أخرى، في عامي 1956 و1957. وكانت الفنانة شادية هي بطلة القصة الجديدة، التي نسجت خيوطها قبيل واثناء قيام النجمين ببطولة فيلمي “ودعت حبك” و”انت حبيبي” من اخراج يوسف شاهين، ومن انتاج فريد الاطرش. ولم تكن المشاعر هذه المرة من طرف واحد كعلاقته بناريمان، فشادية هي المرأة الوحيدة التي طلب منها فريد الزواج صراحة.
تم ذلك في خريف 1957 خلال محادثة هاتفية اجراها معها من اوروبا، واتفقا فيها على ان تنتظره في الاسكندرية لاتمام الزواج والعودة معاً الى القاهرة. إلا انه تراجع فجأة عن الفكرة حين قرأ في الصحف عن محاولات تجري لعقد صلح بين شادية وزوجها السابق الفنان عماد حمدي، فآثر الانسحاب وظل يلوم نفسه لأنه تردد كثيراً في طلب يد شاديه للزواج حتى ضاعت عليه الفرصة. وتحت وطأة المرض ومرارة الفشل العاطفي المتكرر اتخذ فريد قراراً باعتزال الفن، لكنه سرعان ما تراجع عنه تحت إلحاح اصدقائه وجمهوره، وظل حتى قبل وفاته بقليل متفرغاً لفنه والعناية بصحته، وباب قلبه موصداً دون اي حب جديد. إلا انه تراجع ايضاً عن هذا القرار وأعلن رسمياً في بيروت، حيث أقام في أعقاب هزيمة 1967، عن خطبته للشقراء اللبنانية سلوى القدسي، لكن لم يلبث ان فسخ الخطوبة خوفاً من ان تترمل وهي في مقتبل العمر.
المنافسة بين حليم والأطرش:
شهدت حفلات”شم النسيم”عيد الربيع بين فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ منافسة ساخنة، ودارت حروب في كواليسها وفوق مسارحها، ولايمكن أن يأتي فصل الربيع ونستقبل شم النسيم في نيسان أبريل من كل سنة من دون أن نتذكر أغنية”الربيع”التي توزع أكثر من 20 ألف ألبوم سنوياً بشهادة صوت القاهرة.
ولأن الأغنية قدّمها ولحنها الأطرش، فإن التنافس الذي كان بينه وبين حليم يوم شم النسيم وفي الحفلة السنوية الخاصة في تلك الليلة، ظل حتى آخر يوم من عمر الأطرش الذي رحل قبل حليم بثلاث سنوات. ذكريات لا تنسى ومطبات مازالت في دائرة الضوء. حكايات وألغام ورشاوى ظهرت أسرارها في ما بعد.
كان فريد يرغب في أن يغني حليم من ألحانه، فيما الأخير كان يتهرب دوماً كلما قدم له الأطرش لحناً، متحججاً انه ثقيل موسيقياً أو انه لا يناسب لونه الغنائي، فظن فريد أن حليماً لا يريد أن يغني من ألحانه، واستمرت القطيعة والخلافات واشتد التنافس والصراع بينهما خصوصاً في حفلات شم النسيم.
ومن الروايات حول الموضوع، حكاية الرشوة التي أراد أن يقدمها الموسيقي بليغ حمدي حتى لا يشارك محمد رشدي في حفلة شم النسيم مع فريد الأطرش. فعندما انتهى الأخير من تلحين أول وأخر أغنية لمحمد رشدي “عشرية” كلمات حسن أبو عثمان وبدأت التمارين، أتى حمدي إلى بيت رشدي الساعة الواحدة صباحاً وجلس وأمسك بالعود ليغني أحدث ألحانه، قائلاً:”سأسمعك لحناً جديداً عندما تغنيه سيغنيه الشارع المصري والعربي خلفك”، واسمعه أغنية”ردوا السلام” التي غنتها عفاف راضي في ما بعد.
وأضاف حمدي:”غن هذه الأغنية، ولا تشارك في حفلة شم النسيم لفريد الأطرش، وكانت مفاجأة غير متوقعة لرشدي، خصوصاً أن علاقة حميمة تربطه ببليغ ولكن في الوقت نفسه لم يكن يستطيع أن يتراجع أمام اتفاقه مع فريد. ولم يكن رشدي يعرف خلفية الصراع التي لم تكن مع عبد الحليم فقط، ولكنها أيضاً مع بليغ حمدي كملحن.
انصرف بليغ حمدي ولم يغن محمد رشدي”ردوا السلام”التي جاءت كنوع من الرشوة حتى ينسحب محمد رشدي من حفلة فريد، والتزم بكلمته من اجل أن يكسب جماهير فريد الأطرش في تلك الليلة.
ولم يكن رشدي يدرك مدى الصراع الموجود. فما كان يهمه هو أن يغني وأن يكسب جماهير فريد.
عرف رشدي حقيقة هذا الصراع بعد سنوات عندما كان في المغرب مع عبد الحليم، وكان معهما مجدي العمروسي الذي عاتب رشدي، لأنه وقف يومها مع فريد الأطرش، وهو موقف لا ينساه عبد الحليم أو بليغ ببساطة على رغم أن رشدي غنى في حفلة فريد أغنيتين من ألحان بليغ حمدي، وهما”مغرم صبابة”و”عرباوي”من دون أن يتدخل فريد في تحديد فقرة رشدي الغنائية.
وكانت تلك الحفلة التي شارك فيها أيضاً فهد بلان وسعاد محمد هي آخر حفلات فريد الأطرش في شم النسيم، وليلتها قدم عزفاً منفرداً على العود، ثم غنى أغنيته الشهيرة”الربيع”ولا يزال التلفزيون يحتفظ بتسجيل لهذه الحفلة إلى الآن وهي الأغنية الأشهر على الإطلاق التي تغنى في أعياد الربيع واحتفالات شم النسيم لدى المصريين.
آخر حفلة كانت في مسرح فريد الأطرش مسرح الفن لجلال الشرقاوي حالياً وجاءت بعد رحلة طويلة مع المرض عاشها فريد في لبنان، وعندما عاد إلى القاهرة وأعلن عن تلك الحفلة التي كانت الأخيرة له في شم النسيم، كان حليم هو الآخر قد أعلن عن حفلة أخرى في تلك الليلة، وأقامها في جامعة القاهرة، واستعان فريد بفرقة صلاح عرام التي كانت تغني مع رشدي وطعمها بعدد من الموسيقيين الكبار مثل احمد الحفناوي، وكانت المشكلة كيف يقود شاب صغير هو صلاح عرام تلك الكوكبة الموسيقية فتنازل الشاب عن القيادة لأحد كبار الموسيقيين، وغنى فريد.
في حين كانت الفرقة الماسية بقيادة المايسترو أحمد فؤاد حسن هي التي رافقت حليم في حفلته الغنائية، وهكذا امتد الصراع بين الطرفين إلى الفرق الموسيقية التي كثيراً ما انقسمت في عدد من الحفلات السابقة.
إلا إن الغريب في الأمر وعلى رغم حالة التنافس بين فريد وحليم، هو أن الأخير لم يستطع أن ينكر إعجابه الشديد بأغنية فريد الأطرش”الربيع”، والتي كانت رمزاً للربيع، وكان يؤكد أنها من أفضل الأغاني لتلك المناسبة، بل عندما سأله المذيع طارق حبيب في برنامج” أوتوغراف” تحب تغني إيه؟ قال حليم:”أحب اغني الربيع لفريد الأطرش”.
وما لا يعرفه كثيرون أن أغنية”الربيع”لفريد الأطرش كانت قد عرضت في بادئ الأمر على أم كلثوم ورفضتها لعدم اقتناعها بها، ولكنها أصبحت اشهر وأهم أغاني هذه المناسبة.
أيامه الأخيرة:
وفي أيامه الأخيرة كان الموسيقار الكبير مشتتاً بين تصوير مشاهد فيلم “نغم في حياتي” امام ميرفت امين وبين مقاومة نوبات المرض التي داهمته. وقبل ان يفرغ من تصوير الفيلم انقطعت أوتار عود في 26 كانون الأول ديسمبر عام 1974، وسكت شدو البلابل في صوته. إذ صحت بيروت في صباح الخميس السادس والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) 1974 على نبأ وفاة فريد الاطرش. وكادت تحدث ازمة حين اصرت عشيرته على دفنه فـي لبنان ورفضت السماح بنقل الجثمان، لكن شقيقه فؤاد تمكن من احتواء الموقف، إذ أخبر المحتشدين حول المستشفى بأن الفقيد اوصى بدفنه الى جوار شقيقته اسمهان في القاهرة. هكذا حمل احباؤه النعش على الاعناق لمسافة ستة كيلو مترات حتى المطار ليصل ليلة الاحد 29/12/974 الى القاهرة، محطته الاخيرة في رحلة العذاب … والفن.

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply