الرئيسية | من نحن | راسلنا    Friday, December 15, 2017
حفل غنائي

شهداء الصحافة بقلم وزير الإعلام رمزي جريج

نشر في 2014-05-06 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

1

حبرهم من دم. يسكبونه في حياتهم على الاوراق، وفي مماتهم يجبلون به تراب الوطن. قافلة من أبطال توجوا نضالهم بالشهادة، فجعلوا العمر أسمى من المرور العابر. كانت أقلامهم مشاعل للحرية، فصارت أرواحهم جسوراً الى الاستقلال.
يوافينا السادس من ايار شأنه في كل عام، منذ قرابة قرن، مثقلاً بالذكرى والرجاء.
أما الذكرى فتقودنا أولاً الى أولئك الذين ساقهم الظلم الحميدي الى أعواد المشانق؛ لأنهم عبّروا بالرأي والقلم عن توقهم الى حرية بلادهم وتصميمهم على انقاذها من نير الاحتلال الأجنبي. كانوا بمعظمهم صحافيين يتسلحون بالحرف، وكان الهم الوطني يجمعهم على اختلاف المناطق والمعتقدات والمشارب. وكانت الروح التي أطلقوها قد تغلغلت في نفوس الشعب، فلم يستطع الظلم ان يخمد شعلتها، فاستمرت مضيئة حتى تحقق الاستقلال. ذلك أن الصحافة أول ما نشأت في بلادنا، إنما كانت رسالة تحرر وتقدم، وكانت الجريدة منبراً للحرية ومناراً للمعرفة، حتى أن السلطان عبد الحميد قال من منفاه بعد عزله: “لو عدت الى يلدز لوضعت محرري الجرائد كلهم في أتون من الكبريت”.
أسماء شهدائنا، كأفكارهم، لا تزال حية فينا، نذكرها كل عام لنحفظ ميراث القيم، ولتبقى حاضرة في أذهان أجيالنا، قامات انتصرت على الموت: محمد ومحمود المحمصاني، وعبد الكريم خليل وعبد القادر الخرسا، كانوا في 21 آب 1915 الرعيل الاول من شهداء الصحافة، تلاه في السادس من أيار 1916 رعيل ثان مع الشيخ أحمد طبارة وسعيد فاضل عقل وعمر حمد وعبد الغني العريسي. وبعد شهر على التمام في الخامس من حزيران 1916 كان دور الرعيل الثالث الذي ضم الشيخين فيليب وفريد الخازن.
وكم كنا نتمنى لو توقف نهر الشهادة عند هؤلاء الأبطال. لكنَّ رجال الصحافة، والاعلام بشكل عام، ذوو قدر لا فرار لهم منه: أن يشهدوا دائماً… ويستشهدوا غالباً. مهنتهم بل رسالتهم تفرض عليهم أن يكونوا رسل حرية التعبير وشهود الحقيقة الناصعة، وحاملي آمال الناس وآلامهم، والمؤثرين مباشرة في الرأي العام. ولا يحتاج الشاهد الى كثير ليصير شهيدا؛ فاللفظتان من جذر واحد بينهما اختلاف حرف فقط: الشاهد منتصب مثل الألف، والشهيد متمدد في تراب وطنه مثل الياء. وصدق الجواهري القائل:
طرق المجد موعرات عليها
كل يوم في كل شبر شهيد
وانصياعاً لهذا القدر ذرفت الصحافة دمعاً كثيراً على نسيب المتني وكامل مروة وفؤاد حداد (أبو الحن) وسليم اللوزي ورياض طه، وعلى شهيدي ثورة الارز جبران تويني وسمير قصير، وجميعهم استهدفوا بالاغتيال، عقاباً على تشبثهم بحرية التعبير.
ولا أنسى اللذين خاب الحقد وعجز عن النيل منهما، عنيت الصحافي الوزير الصديق مروان حماده والاعلامية مي شدياق.
ولا أنسى ايضاً شهداء الاعلام المرئي، علي شعبان وحمزه الحاج حسن ومحمد منتش وحليم علوه الذين قضوا خلال قيامهم بواجبهم المهني.
وهل يجوز لي ألا اذكر، من كان الشاهد على كل تضحيات الشهداء، المنتصب أمام الموت بحزن الأب وتعالي الغافر، المتغلب على كل المآسي، الصامد في رسالته الوطنية والإنسانية عميد الصحافة، الصديق الراحل غسان تويني.
وأما الرجاء، فأن لا تذهب هدراً كل تلك التضحيات التي قدمت على مذبح الوطن والقيم، وأن ندرك أن الصحافة لا تكون حرة إلا في وطن حر. من هنا ينبغي لنا جميعاً أن نتمسك بمبادىء الحرية والسيادة الوطنية والديموقراطية، لأن منعة الوطن تتحقق عند تعميم هذه القيم على كل مفاصل حياتنا الوطنية. وللاعلام في هذا الميدان الدور الأبرز لأنه أكثر القوى تأثيراً على الرأي العام وتشكيلاً له.
قبل ستين عاماً كتب فؤاد سليمان: “تعجز الصحافة عن أن تكون منبراً للحرية أو مدرسة للمعرفة، إذا لم يكن وراءها أقلام قوية تريد أن تستشهد”.
الدرس الذي يقدمه لنا عيد الشهداء هو أن مستقبل الوطن رهنُ بشجاعة الأقلام.

(جريدة النهار)

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply