الرئيسية | من نحن | راسلنا    Monday, October 23, 2017
 

“خطوات” يوسف الكبرا: حفر في نص بيكيت

نشر في 2014-09-07 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

عبيدو باشا 438 مسرحيات صموئيل بيكيت القصيرة والعادية الطول، ليست حكايات جدات. ذلك أنها لا تنتمي إلى الواقع العربي المعاش. جاء ذلك واضحاً في “خطوات” لمخرجها يوسف الكبرا، وممثلتها الوحيدة كارول عبود. لم تفتك المسرحية باللغة وحدها، لأنها لم تعمق الحفر بالنص البيكيتي. وجدت فيها ما تتوخاه، من إعلان الأنشطة الإجتماعية والإنسانية القائمة بين البشر، لدى غير الأوروبيين. فات العرض نشأة النص، وتمييز اللغة، بين اللغة الدارجة/لغة المسرح، واللغة الأم. الأخيرة، لغة السلف، لغة القداسة.

لا خسارات كبرى في المسرحية، لولا أن اللغة الفصحى، ابتعدت عن مفاهيم إنهاض المسرحية، بعيداً من الجلال والفخامة، ما اضطر كارول عبود إلى التفكير الدائم بافتراضات استخدام اللغة، لا اللغة نفسها. نقطة تترك الحكم للحاكم، أو المخرج، من احتراف الممثلة، ومن استعمالها الصمت، بدلاً من البعثرة، على التشكيل الفقير المعتمد من قبل الإخراج. وظيفة مضاعفة، لواحدة من أفضل الممثلات اللبنانيات، غير اليائسة من الحصول على القدرات بنفسها، في استدعائها من الذاكرة إلى الحاضر. وقفت على مستطيل ضوئي (صمم الإضاءة خليل خالد)، حيث قدمت أقصى قواها، حتى لا ترزح المسرحية، القصيرة، تحت سلطة الصوت (هندسة الصوت من محمد آل رشي). ذلك أن الصوت، وجدُ المسرحية الأول. صوت الممثلة الحي والأصوات المسجلة وصوت الصمت. لأن الصمت صوت المسرح الأول. بهدوء صحراوي، لعبت كارول عبود، على بنية نتائج الإخراج الأولى. وهي قليلة. طقسية خفيضة وآداء يراوح بين فلسفة ستانسلافسكي وفكر غروتوفسكي. ثمة لمحات من شاينه، متضمنة بالحوارات بين الابنة (عبود) والأم (الصوت). لم يغب مبدأ التوفيق بين الإثنين، ما تجلى بالرؤى الوجودية. كثافة الروح الوجودية، حولت الوجود إلى وجود هش. نقطة بيكتية بامتياز. غير أن صياغة الرؤى على الوجود الهش هذا، على الآداة الموصلة، الأداة الإذاعية، أبان الوجود أقرب إلى الميتافيزيق. 

لا يشتغل المسرحي العربي على مسرح العبث، إلا بوهم العلاقة به. التنميط وهم. لا يعمل المسرحي العربي على المادة، حين يعمل على لواحقها. أي منجزها الأخير. صورتها الأخيرة. هذا ما حدث في “خطوات”، غربتان بغربة واحدة. ذلك أن الأكوان محكومة بالعقول. المذهب المسرحي، مذهب منطق. عند العربي المذهب مذهب دين. مذهب قداسة وتقديس. لا علاقة لذلك بالعقل الفعال، بطل المسرح في بلاد المسرح. لا تقلب أنماط الإنتاج من جراء ذلك. هكذا يتردد بيكيت على المنصات العربية بشكل واحد، لأن العربي لا  يبحث عن حلول المعجز بالخلق. لأن العربي متأقلم. لا وسيلة ناجعة على ضوء ذلك، للخروج من فطرة الرؤية إلى عقلها. لأن المسرحي العربي، يبحث عن التوازن لا المتعة، من اعتقاده أن هذا ما يحتاج المسرح إليه. مقتلة. لأن المسرح ذات المسرحي أولاً. وهذه دعوة للكتابة في الكتابة، لا بالقراءة، للخروج من الحصار المفروض من النص على المسرحي، عبر خلق عوالم أخرى لشخوصه غير العوالم المفروضة، حتى لا يبقى بيكت ذهني الحضور وبريشت مُغّٓرِب المسرح ومايرخولد بيوميكنيكي، وإلى آخره. 

يخضع يوسف الكبرا، لشكل إبداعي أوحد في مسرح بيكيت ذي الأبعاد المتعددة. يؤزم الكبرا العمليات الفنية، من أخذه من زاوية واحدة، من ذاكرته، لا من راهنه. لذلك، لا يصيبه، إلا من اسقاط المشاهد، هوية المخرج، بشكل فج ومباشر على أصل المحاولة، ليجد نقاط لقاء طيبة بين النص والإخراج، بينهما اللغة الأساس، إذ يعتبر أن الأم فلسطين أو غزة في العدوان الإسرائيلي الدائم عليها. دولة ممزقة، قطاع متشظ، يلتقي بيكت ولغته من الزاوية هذه. الأم فلسطين أو غزة. هذا احتمال. صور المتغيرات فيهما، تتبلور بالحوار بين الابنة الحاضرة بالجسد والأم الغائبة الحاضرة بالصوت. تردد الابنة “ألا تحاولين الإغفاء ولو قليلاً؟ أتريدين أن أعطيك حقنة؟… مرة أخرى؟”. 

دراماتيكول، هذا توصيف فريق العمل لخطوات. دراما بالحد الأدنى، عن شخص جمدته هزة في الذهن، عن الذنب، الرغبة، التربية، المصير، الاضطهاد، الجنون، ثقب أسود بالرأس، عن ذلك الفراغ تحديداً، بحسب المخرج بالورقة التعريفية الموزعة عند باب المسرح. لا لمحات استعراضية بذلك. خريطة كلام بقي كلاماً في خريطة الكلام. إلا من خلال بعض اللمحات. لم يكفِ المستطيل الضوئي كارول عبود، قاست جدرانه بالتحسس بيدين لم يتخليا عن محتواهما، عندها أدرك المشاهد حجم مساحة إقامتها، على قضيتها الإنسانية المرتبطة بالواقع. 

لا مساحة حرية في العرض، في حين جهد بيكت خلف الحرية هذه باستمرار. مسرحية من نمط “في انتظار غودو” المحتشدة بالكثافات اللغوية، إلى “نهاية اللعبة” المتكاملة بخصوصيات اللغة ومؤثرات الحضور والتمثيل والديكور والأزياء. في مسرحياته الأخيرة، استبدل الكلام بالإيماءات والإشارات والصمت العالي. لا يزال المسرحي العربي يراوح أمام حصرية الطلة الأولى، لأنه كلما اقترب من المسرح ابتعد عن اللعب. للعب مئات المعاني.


تعرض في مسرح “دوار الشمس” حتى 9 أيلول/سبتمبر الجاري – See more at: http://www.almodon.com/culture/bdbbfb1f-1e61-4774-8fa9-9117681eb353#sthash.bMtYyN3k.dpuf

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply