الرئيسية | من نحن | راسلنا    Tuesday, October 17, 2017
 

دريان خلال تنصيبه: للتمسك بالعيش المشترك والطائف ولا حماية للدين والإنسان إلا بحماية الوطن والدولة

نشر في 2014-09-16 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

القى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان كلمة خلال حفل تنصيبه في مسجد الامين وسط بيروت، في حضور شخصيات رسمية وسياسية ودينية، قال فيها: “نلتقي اليوم في هذا الصرح من صروح الإيمان والعمل الصالح، نحن اللبنانيين جميعا، مسلمين ومسيحيين، وبيننا إخوة وأشقاء من المؤسستين الإسلاميتين الكبيرتين: الأزهر الشريف بمصر وجامعة الإمام محمد بن سعود بالمملكة العربية السعودية، وبيننا سفراء ومبعوثو الدول العربية والأجنبية، والذين أتوا ليس لحضور هذه المناسبة فقط، بل وليقفوا على رأينا في كائنات هذا الزمان في المنطقة وما وراءها، وما نريد أن نقول ونفعل من أجل الإصلاح والنهوض.


لقد تحدث الزملاء الأفاضل قبلي عن المناسبة التي نلتقي من أجلها اليوم بالمسجد الجامع، مسجد محمد الأمين صلوات الله وسلامه عليه، والمناسبة هي تولي مفتي الجمهورية اللبنانية الجديد مهام منصبه، والمناسبة تستدعي الاهتمام، لما لدار الفتوى بالجمهورية اللبنانية من دور وطني وعربي وإسلامي، لكن الظروف التي تمر بها منطقتنا، ويمر بها ديننا، وتمر بها بلادنا، وتمر بها أمتنا، هذه الظروف كلها تستدعي اجتماعا، وتستدعي موقفا، وتستدعي نضالا ترتفع فيه كلمة الحق والخير والاعتدال في وجه التطرف، وسيول الدم والخراب والدمار والتهجير، ففي أقل من خمس سنوات سقط في ديارنا العربية أكثر من نصف مليون قتيل معظمهم من المدنيين العزل، وضعف هذا العدد من الجرحى والمقعدين، وتهجر من الديار وعن الديار أكثر من عشرة ملايين صاروا بلا موطن ولا دار ولا مأوى، وكل ذلك في أفظع جريمتين عرفهما عالم الإنسان، يقول الله سبحانه وتعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}، وهكذا ففي أمر القرآن الكريم: كل جريمة يمكن بعدها الصلح وتسهل بعدها المهادنة إلا القتل في الدين، والإخراج من الديار، وهاتان الجريمتان الفظيعتان هما الواقعتان في شتى الأنحاء العربية، وعلى سائر فئات الناس، لماذا يكون على المسيحيين أو على الإيزيديين أو على السنة أو على الشيعة أو على غيرهم أن يواجهوا القتل والتهجير بسبب الدين، أو بسبب المذهب، وممن؟ من جانب عصائب ضالة ومضلة وباسم الدين أو باسم المذهب أو باسم شهوات السلطة والثروة والإمبراطورية؟.

إن لدينا نحن أهل العلم والدين أمرا إلهيا بمواجهة هذه الجرائم، يقول الله سبحانه وتعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}، المعروف معروف، إنه هذا الفقه الواسع للحياة، والتلاقي بين الناس على الكلمة السواء، والعيش المشترك، والمنكر هو هذه الجرائم ضد الإنسان والعمران والأديان. والمواجهة تكون بالدعوة إلى الخير قولا وعملا ونضالا وتضحية، ليس صحيحا أن الاعتدال ضعيف أو خفيض الجانب، صحيح أنه اختيار صعب وسط صيحات التعصب، ونزعات التطرف، لكنه قوي وقوي جدا بموازين الحياة الكريمة، وصلابة الحق، وقيم الخير والعدل وإنسانية الإنسان، وقوي أيضا بالإرادة العازمة التي لا تلين من أجل الإصلاح والنهوض في محيطنا الأقرب، وفي المدى الأبعد. كيف نكون بشرا ثم نسمح، بل ويشارك بعضنا بهذه الجرائم التي تنوء تحتها الأديان والأوطان وإنسانية الإنسان؟ لدينا مسؤوليات كبرى فيما يخص أجهزتنا الدينية، في الإمامة والتدريس والتربية الإسلامية، ينبغي أن نكون حاضرين ومبادرين لحماية الناس وحياتهم، وليس لتسويغ القتل باسم الدين، والعياذ بالله.

تقع أمتنا، وتقع أوطاننا بين الفتنة والمحنة، والفتنة معروفة، وهي تلك النزاعات الداخلية المتنقلة، والتي لا تغادر حجرا ولا بشرا، أما المحنة فهي تلك الواقعة بين المرء ونفسه، أو في دواخل الأفراد والجماعات، بين العقل والهوى، وبين البصيرة والغضب، وبين الطمع والأخلاق النبيلة، والمسلم يسأل ربه أن يجنبه الابتلاء والبلاء، والشركاء المسيحيون يسألون الله سبحانه أن لا يدخلهم في التجارب، إن واجب الأمة أو الفئة الداعية للخير أن تعمل في كل آن على الخروج من الفتنة والبلاء أو التجربة أو المحنة، صدقوني أيها الإخوة، وصدقوني أيها اللبنانيون: أنه يبلغ من هول المأساة التي نحن فيها أنها صارت جرائم دينية وأخلاقية، وظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج أحدنا يده فيها لم يكد يراها: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور}.

ماذا تسمون حالتنا نحن في لبنان، إن لم تكن قد بلغت حدود الجريمة الأخلاقية؟ لم يتمكن المجلس النيابي اللبناني حتى الآن من الالتئام في جلسة مخصصة لانتخاب رئيس للجمهورية، مع أن هذا المجلس قد تحول إلى هيئة انتخابية وأصبح انتخاب الرئيس الجديد الذي هو الرئيس المسيحي الوحيد في العالم العربي هو واجبه الأول. ولا تستطيع حكومتنا الاتفاق على طريقة أو نهج لإخراج جنودنا من احتجاز المسلحين الذين يبلغ بهم الإجرام أن يذبحوا بعض الجنود المحتجزين كأنما هم نعاج، تاركين أمهات وزوجات ثكالى، وجماعات مبتلاة بالغضب واليأس والأسى والخطأ والانتقام، ولماذا كل هذا؟ لأنه لم يجر الاتفاق على طريقة لحماية حدود الوطن وإعادة الاعتبار للدولة ودورها وسلطتها وهيبتها وعدالتها، وإعادة الاعتبار للانسان في لبنان.

أيها العلماء الأجلاء، أصحاب الدولة والنيافة والسيادة والسماحة والسعادة، أيها المسلمون، أيها اللبنانيون، يا شباب لبنان، إنساننا في خطر، وأدياننا في خطر، وأوطاننا في خطر، وماذا يبقى لنا إن هلك الإنسان، وتشوهت الأديان، وضاعت الأوطان؟

إن علينا اليوم وغدا أن نصون ديننا، ونصون إنساننا، برفض الفتنة والاستعلاء على المحنة، ولا حماية للدين والإنسان اليوم إلا بحماية الوطن والدولة. نعم، ورغم المرارات والاستنزافات، يبقى حب الوطن وتصبح حمايته من الإيمان، ولن نسمح لأحد أن يخطف منا ديننا أو وطننا أو سلامة إنساننا وأمنه واطمئنانه.

وبالطبع نحن لا نطلب ذلك اليوم وغدا من المسلحين من كل فئة ولون، فقد صار السلاح هو البلاء الأعظم، نطلب العمل على حماية الوطن والدين والدولة باسم المواطنين الذين عانوا ويعانون في كرامتهم وحريتهم ودينهم من السلاح والمسلحين الخارجين عن سلطة الدولة، وعن أعراف العيش المشترك وقواعد السلم الأهلي!

إنني أعلن من هنا، من جامع محمد الأمين صلوات الله وسلامه عليه التمسك بالعيش المشترك الإسلامي المسيحي، وباتفاق الطائف، والالتزام بنهج السلم والسلامة والإسلام الكفيل بحماية الإنسان والأديان والأوطان، قال الله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} (البقرة: 208)، إن نهج السلم والاعتدال هو نهج القرآن والنبي، وهو نهج وثيقة الأزهر الشريف الصادرة بتاريخ 31 يناير عام 2013 والوثائق الإسلامية الأخرى التي صدرت بمكة وعمان، والتي حضت على نبذ العنف بكافة أشكاله، وأكدت على حرمة الدماء والممتلكات، وواجبات الدول في حماية أمن الوطن والمواطنين، وإدانة التحريض على العنف والإرهاب أو تسويغه باسم الدين، والالتزام بالحوار ونهج العيش المشترك بين مكونات الجماعة الوطنية، وحماية النسيج الوطني الواحد من الفتن الطائفية والمذهبية المصنوعة والحقيقية.

وإنني لأعلن من هنا، من جامع محمد الأمين صلوات الله وسلامه عليه: الاتفاق التام مع وثيقة الأزهر الشريف الصادرة بتاريخ 8 يناير عام 2012 والمسماة منظومة الحريات الأساسية الأربع: حرية العقيدة والعبادة، وحرية الرأي والتعبير، وحرية البحث العلمي، وحرية الإبداع الفني والأدبي.

وإنني لأعلن من هنا من جامع محمد الأمين صلوات الله وسلامه عليه: أن دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية، بأجهزتها الدينية والوقفية والخيرية والاجتماعية ستبقى عاملة من أجل السلم الأهلي والوطني، ومن أجل خير لبنان وشعبه، لقد قال المسلمون في وثيقة الثوابت العشر من دار الفتوى عام 1983، وأكدوا في وثيقة الثوابت الوطنية من دار الفتوى أيضا عام 2011: أن هذا البلد لبنان هو وطن نهائي لجميع بنيه، وأنهم ملتزمون بعيشه المشترك، ونظامه الديمقراطي، وانتمائه العربي، وحرياته الدينية، ومواطنته المتساوية، والتزاماته القومية.

وإنني على اقتناع مبعثه الإيمان بالله، والثقة بشباب لبنان وبثقافته الوطنية ووعيه: أن الفتنة لن تقع، وأن المحنة ستنجلي، وأن دماء اللبنانيين لن تذهب هدرا، وأننا سنعمل مع اللبنانيين جميعا بكل عزيمة وإصرار على صون الوطن والدولة والمؤسسات.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدىء من روع الأمهات الثكالى، وأن يجبر خواطر المقهورين، وأن يهدي الضائعين بين الحق والباطل، وبين العنف والسلم، إلى سواء السبيل، وأن يسلم وطننا ومواطنينا من أهوال النفس والغير.

قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}. آمين”. 

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply