الرئيسية | من نحن | راسلنا    Tuesday, May 22, 2018
 

هتافات الجسد.. ’’سيمون دي بوفوار’’ نموذجا.. بقلم د. هدى درويش

نشر في 2017-04-20 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

سيمون

’’كلنا حيوانات أمام  الخبز و القبلات’’… هكذا قال’’ أنيس منصور’’… فهل نحن جنس من الجبناء حين نتعمد دوما أن ندفن ’’نظرية الجنس’’ و نصفه كعاهة علنية و نتجاهل علاقتنا الهستيرية به و نرفض فتح أبواب جديدة تدرسنا به مع أنه الغريزة الأساسية فينا بعد احتياجنا الفيزيولوجي للغذاء و عندما أقول نحن ’’حاليا’’ قد لا أقصد العالم بأسره بل أقصد الشرق و حوافه بكل ثقافاته التي لا تنمو سوى كثمار الزراعات البلاستيكية تحت غطاءات كثيرة… أذكر أن فرويد حين تحدث عن الجنس فلسفيا و سيكولوجيا كان عالمه يحمل معارضين كثر و كانت العقلية أنداك تحظر على المرء التحليل خارج السرب و كان المفكر وقتها يخسر سلطه ـ مع أن لا سلطة لديه ـ و عمره في وقت قياسي ما لم يتراجع عن اختلافه و لتمر كل هذه السنون لنجد ثلاثة أرباع البشرية لم تخرج بعد من هذا النفق الطويل… مازلنا نبحث في ظلام عن ’’اللغز البشري’’ و في خفاء و نشرّح في خفاء و نحتفظ بالنتائج الجدلية  و نواصل توزيع الأدوار في مسرح يجمعنا  و يعطي المرأة  دور ’’الفتاة الرصينة’’ و يعطي الرجل ’’وسام الدنجوان’’ و يحتفي به و يعلّق على لافتات متعاقبة لا تسقط أبدا من الأذهان أن ’’الدنجوانة  تستحق الموت’’ و أن لابد لها من نهاية مأساوية.

’’الجنس يفّسر كل شيء’’ عند  فرويد  و الجنس مصطلح بذيء عند العرب لكنه مرغوب، هو اللعنة التي نتلمسّ بها لذة الحياة و هو واجب رجولي يحمل الذكور رايته و خندق نسائي  يثبت تبعية الانثى  التي لا يتعدى دورها صفة المتلقية  و فقط  و هي التي تُعرف أيضا بأنها مخلوق عجيب يتحول في ليلة زفاف شعبي من ’’الجاهلة بالشيء’’ الى’’المطلوب منها’’ و تعنّف و تستغلّ شرعيا و لا شرعيا بل و تشترى… و كأنها ’’دورة مياه’’ متحركة ينبثق منها سيل مستمر يدعى لاحقا ’’مجتمعا’’…

الجنس ليس قشرة للروح و لا خطيئة معلقة في ميادين حجاجية صاخبة.. الجنس فقط هو شعور للانسان بذاته و ليس انكسار للانثى في واقع خفي … الجنس مرآة للروح و مرآة للفكر و انني أعجب حين أراهم يهرعون من عجزهم الجنسي الى كل اصناف الدواء و لا يعني لهم عجز الفكر شيئا.. فهل سمعنا عن قاعات علاجية للعجز الفكري؟؟ لابد و أننا اذن خارج العالم… لابد و أننا في جسد منفصل لا يمكن له أن يكون على قيد الفرح..

و الجنس في الأدب بكل اللغات صنّف الأدباء ضمنيا الى طبقات نبيلة و طبقات بذيئة و عند العرب ربطت بعض الأسماء علنا و خصوصا النسائية بأدب العهر و أدب الفراش في حين ما اعتبرت بعض المعلقات الماجنة و بغض الطرف و التي وجدت منذ الجاهلية و ارثا و نوعا أدبيا يدخل في صفة الغرض لانتمائه الذكوري لا أكثر و جماله البلاغي طبعا..

و عندما يفرز الحرف أنوثته دون وجل و لا عار و حين نجول دروب سان جيرمان العتيقة و نقف امام مقهى’’ لافلور’’… لا بد أن نسمع في صمت تحت هذا المطر ذبذبات روح غاضبة , مستعصية على أطباء النفس جميعا …تركض منذ قرن و نصف قرن من الزمن …لا تبحث عن مهرب لأن الهروب لم يكن من صفاتها يوما و لكنها حتما تحاول الوصول الى عالم أفضل …لابد أن نذكر الفرنسية سيمون دو بوفوار , الكاتبة التي غردت بعصيان خارج  ’’جسد المرأة الحافل بالقيود’’ و كانت مريضة نفسية و أخلاقية بامتياز لكن من منّا يختار داءه؟؟ … سأكتفي بحضورها الفني الطاغي و الأدبي الذي يعتبر ارثا فلسفيا  حقيقيا …

تسطر سيمون للأنثى أنها المدعوة ’’الجنس الآخر’’ أي أنها و منذ تسميتها الأزلية لم تعتبر يوما الجنس الحقيقي للإنسان فالإنسانية في عرف الرجل شيء مذكر مكتمل يحتاج فقط الى اتصال حر ارادي اختياري بالأنثى حتى يتجمل و يمكنه ألا يتجمل لأنه مكتمل و عليها أن تظل تابعة لأنها منقوصة و يمكنه أن يغير أسلوبه و يختار اتصالا من نوع آخر غير الانثى .. و عليها أن تظل منتظرة لأنها كمالية … و لم يتخلّ الدنجوان عن هذه البدلة القيادية المترّفعة بعد …و لم يتخلّ العالم عن   إلباس الأنثى مصيرها الواحد  و من هنا انطلقت رواية ’’المثقفون’’ و هي العمل الحقيقي الذي نخر أعماق سيمون و وصف الحرب العالمية أنذاك كما لو أنها قامت بين أشلائها لوحدها دون بقية الأرض و تقاطعت فيها طبقات ’’المشبوهين ’’ و ’’الناجين’’ و’’ الموندرين’’… و يعرف عنها أنها بطلة كل أعمالها و أنها وجودية الهوى و مزاجية المذهب و فارسة السفر بامتياز أحداثها الروائية مجرد حبكة سردية تظهر فيها ثنائية ’’الجسد و الروح ’’ معا و عنصر الشك و النسية ضروريان …يطاردهما الخوف و المغامرة الى حتمية ’’الميتة الهادئة’’  …

و ظلت رغم جنونها و ارتجالها و تسكعها ’’قندسا ’’ وفيّا لم يجد نفسه سوى بين ذراعي ’’سارتر ’’ …فوق الأرض و تحتها و لم يكن هنالك من تفسير آخر لاتخاذها شقة تطل على قبر’’ جون بول’’ بعد موته و انعزالها عن العالم  و دفنها بجانب ضريحه بعد وفاتها عام 1987.

تستهل’’ سيمون’’ أعمالها كلمح بارق يلوذ بالشك و لم تجد يوما عزاءً في كرهها الجذري للسبات و السكينة الجوفاء … و لا يمكن للمرأة بين سطورها أن تتغطى سوى بورق الرواية و كل ما تبقى يظهر عاريا لعلاج التالف في عصر المدنية الذكورية …عالمة بخبايا النساء دون تخليد لجمالهن أو اضفاء القدسية على حسنهن …فالروح وحدها لها لسان في اللاوعي لا يصمت …. و المرأة شريرة و شرسة لدى سيمون و تملك من البريق ما يكفي لحرق الأرض ’ متلونة بين الضجر و الفراغ و بين آفات الكبرياء و التفكير و المتعة و الرعونة و الطيش  و كل تفاهاتها و شهواتها تخبئ’’ عقلا كبيرا ’’ يقف ملاحظا و قد يثور اذ ما تشعّبت الغرائز لديها…  و لكل أنثى أشواك  تجعل منها قنفدا وسيما يحتمي من الجراح  و الصدمات …  

انها الروائية و كاتبة الدراسات و صاحبة الحملات و المؤلفة المسرحية و صاحبة شهادة ملتزمة حد الالتزام عن حرب الجزائر و الوحيدة التي كتبت سيرتها الذاتية في ثلاثة مجلدات … أفراحها مثيرة للشجن و للمضض…شهوتها مشبوهة و مكرّسة  للإحاطة بالواقع … ذرعت الأرض طولا و عرضا و لم تجزئ حياة الأنا من حياة الآخر…  هي    ’’ سيمون دو بوفوار’’ …  لها في كل دقيقة عشق ثورة و في كل شبق موثق جلاء للحقيقة و في كل رقصة روكية حمراء نهضة ’’وطن ’’  نافذة الصبر .

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply