الرئيسية | من نحن | راسلنا    Sunday, May 27, 2018
 

مسرح وهران… ميلادٌ جديد لرميمِ مدينةٍ عتيقة! بقلم د. هدى درويش

نشر في 2018-05-05 | Email This Post Email This Post | اطبع هذه الصفحة اطبع هذه الصفحة

أثارتني ذات ظهيرة حين اجتمعتُ لساعات ـ و أنا أجول بهو المسرح و قاعاته في ضيائها الخافت ـ بروح المسرحي الجزائري المغتال ’’عبد القادر علولة’’, صوره التي تسكن الحيطان بشكل رهيب و كأنه مرّ من هنا للتو بسيجارته و قهوته ثقيلة المذاق ’’عبد القادر’’ الذي نكلّت به ايادي الظلاميين غدرا خلال العشرية السوداء التي كادتْ أن تغرق الجزائر في دوامة عميقة من الدماء و الفتن, و لم يكنْ ’’علولة’’ سوى احدى القامات التي شمرتْ عن سواعدها حتى تمسح عن وجه ’’وهران’’ الأبية غبار الزمن و تراكم بعض المغالطات على جبينها منذ أصبحتْ في نظر العالم معقلا للراي و للروكيات الشعبية بعيدا عن ملامحها الحقيقية و أرستقراطيتها الثقافية التي وُضعتْ لها  منذ الوجود الفرنسي في الجزائر… و من قبله الاسباني و العثماني و الروماني و البربري… وهران بمعالمها و مثقفيها و حركيتها النشطة تعتبر ثاني عاصمة للجزائر… مسرحها الذي يحمل اسم ’’عبد القادر علولة’’ بساحة أول نوفمبر بقلب شوارعها العتيقة ,على بعد أمتار من  واجهة بحرها التاريخية و الذي هو وليد احدى أقدم الدور الأوبرالية في الشمال الافريقي من تصميم المعماري ’’أيناز’’ وفقا للطرار الإيطالي الباروكي القديم و تم افتتاحه عام 1907 تحت مسمى ’’أوبرا وهران’’, بعض أجزائه مغطاة بالقرميد الأحمر, يفترش حوالي مائة متر من الطول و على مدخله منارتان كبيرتان يتوسطهما تمثال ضخم يمثل ’’الهة الفن’ ’تحمل بيدها قيتارة و على جانبيها تماثيل صغيرة آخرى تمنح واجهة المبنى عمقا فنيا و جماليا لا يضاهى.  

سنين قبل اضفاء طابع المؤسسة الرسمية عليه, كان مسرح وهران متواجد على ساحة العطاء الفني بفضل الفرقة التي كانت تنشط أنذاك تحت تأطير المسرحي القديم ’’ولد عبد الرحمن كاكي’’ و منذ سنة 1963 عند صدور قرار جمهوري بترسيم المسارح الوطنية مباشرة بعد نيل الحرية, لم يتميز كثيرا باستقلاليته في التسيير الفني أو الاداري لبقائه فرعا في كنف المسرح الوطني و هذا ما جعل من بعض الصعوبات تطرأ خاصة على مستوى الحاجيات المادية و متطلبات مواكبة عجلة الابداعات المسرحية في المغرب الكبير و العالم و هذا ما طرح بقوة فكرة استقلال المسارح الجهوية بالجزائر و تحول ’’ مسرح وهران’’ بموجبها عام 1967 الى المسرح الوطني للغرب الجزائري لينتظر فرصته الفعلية حتى عام 1972 ليشهد نقلة جذرية تتمتع بتحرر تام في المجالين المالي و الفني و لم يتوقف منذ ذلك الحين عن دفع عجلة الزخم على الخشبة بمساهمة كوكبة من الكتاب و المخرجين و الكوميديين ذوي سمعة وطنية و عالمية.

يزخر الخزان الفني لهذا المنبر بمسرحيات تختلف طبوعها من الكلاسيكي الى الواقعي الى الملهاة و التي اسسّ لها رجال عظماء شرعّوا أبوابه أمام التنوع حسب اختلاف الطبوع و المدارس و جعلوا من عملية التوزيع تعتمد في سيرها على قاعدة واحدة واسعة و شمولية تعتبر الانتاج المسرحي الهادف هو الركيزة الأساسية في استراتيجية  مسرح المدينة و المعتمدة في بلوغ أهدافه في تمرير رسائل نبيلة بناءة و لم يتأخر يوماً في وضع كل التسهيلات الضرورية لمسرح تلتف حوله كل القوى الحيّة من مختلف شرائح المجتمع المدني رغبة للوصول الى جمهور واسع نخبوي… 

عاد مسرح وهران الى الحياة و لا يمكن لأحد أن ينكر دوره الفاعل الذي تقاعس في فترة سابقة بسبب الاهمال  و الركود و الروتينية و عدم الاجتهاد في الوصول الى ابداع حقيقي يجعل منه شريانا نابضا يعيد للمدينة العتيقة توهجها و يعيد النخبة المثقفة من الظلال الخفية الى الواجهة… لقائي بالسيد ’’مراد سنوسي’’ و هو اعلامي متأصل في مدرسة الكفاح التي بنى على بديهياتها اسما غنيا عن التعريف, يشهد له منذ تواجده بالمؤسسة الوطنية للتلفزيون الجزائري الى توليه قبل عام ادارة مسرح بحجم ’’وهران’’… يتحدث عن مساره و عن عاتق المسؤولية التي يلتزم بمسلماتها كل من ينتمي فخرا و اجتهادا لهذه البلياد الرفيعة: ’’هذا المبنى أصبح الآن جزءًا من روح وهران الثقافية و انني أشعر بالمسؤولية العظيمة التي تربطني به بمحبة العطاء و هو ما يشغلني لحظة كتابة الورق و حين أحاول أن ألبسه طابع هذه الخشبة في أن يكون ميلادا حقيقيا لحقبة توارت و نحاول ارجاعها بكل الأساليب و مهما كان ثمن العناء في ذلك… وُجدَ هذا المبنى ليكون عظيما و ليحمل اسم مدينة مشعة مذ توّسدتْ هذا الجانب من الشاطئ… حياة المسرح جوهر وجودي و انساني و فنيّ… يجسد الألم بصورة أو بأخرى على ركح لا يتردد في الصراخ بواقع شارعنا و تفاعلنا مع ما يدور حولنا من أحداث و مآسٍ و تغيّرات, و فاعليته تكمن في القدرة الخارقة على تجسيد الحقائق دون خوف, دون تردد, دون توقف…’’ ثم يضيف عن العوائق التي ما زالت تعترض درب الفرق الشبابية الحالمة و النشطة هنا بصورة دائمة: ’’لا شيء يعيق وصولنا الى الحلم الكبير, هذا المسرح كباقي منابر الوطن الثقافية دفع ثمن الارهاب طويلا و فقد قامات كثيرة  لكنه ما زال يحيا و يتنفس… هنالك أعمدة تولد باستمرار و سوف لن يزيدنا الوجع الذي مضى سوى عمقا تاريخيا و اصرارا…’’

No comments yet... Be the first to leave a reply!

Leave a Reply